وما انتُظِرَتْ غُيَّابُها لعَظيمَةٍ ... ولا استُعْمِرَتْ في جُلِّ أَمْرٍ شُهُودُها
إِذَا مَرَئيَّاتٌ حَلَلْنَ ببَلْدَةٍ ... منَ الأَرْضِ لم يَصْلُحْ طَهُوراً صَعيدُها
ويستحسن له قوله في الظبية وولدها:
إِذَا استَوْدَعَتْه صِفْصَفاً أَو صَرِيمَةً ... تَنَحَّتْ ونَصَّتْ جِيدَها للمناظرِ
حِذَاراً على وَسْنَانَ يَصرَعُهُ الكَرَى ... بكُلِّ مَقيلٍ من ضعافٍ فَوَاترِ
وتَهْجُرهُ إِلاَّ اختْلاَساً بطَرْفِها ... وكَمْ من مُحبٍّ رَهْبَةَ العَيْنِ هاجِرِ
ومما صحف فيه من شعره قوله:
بَراهُنَّ تَفْويزى إِذا الآلُ أَرْقَلَتْ ... به الشمسُ إِزْرَ الحَزْوَرَات الفَوالكِ
رواه أبو عمرو أرقلت وقال الأصمعي: إنما هو أرفلت ومعناه أسبغت وغطت، يريد أسبغت إزر الحزوارت من الآل.
نهار بن توسعة
هو نهار بن توسعة بن أبي عتبان، من بكر بن وائلٍ، من بني حنتم وكان أشعر بكر بن وائل بخراسان، وهو القائل:
أبي الإسْلامُ لا أَبَ لِي سِوَاهُ ... إِذَا هَتَفُوا بِبَكْرٍ أَو تَميمِ
دَعُّى القَوْمِ يَنْصُرُ مُدَّعِيهِ ... فيُلْحقُهُ بذي النَّسَبَ الصَّميمِ
وما كَرَمٌ ولو شَرُفَتْ جُدُودٌ ... ولكنَّ التَّقِىَّ هو الكَرِيمُ
وكان هجا قتيبة بن مسلمٍ فقال:
أَقُتَيْبَ قد قُلْنا غَدَاةَ لَقيتَنا ... بَدلٌ لَعَمْرُكَ من يَزِيدٍ أَعْوَرُ
وقال أيضاً:
كانَتْ خُرَاسانُ أَرْضاً إِذ يَزيدُ بها ... وكُلُّ بابٍ منَ الخَيْرَات مفتُوحُ
فَبُدِّلَتْ بَعْدَهُ قِردْاً نُطيفُ به ... كَأَنَّما وَجْهُهُ بالخَلِّ مَنْضُوحُ
فبلغ ذلك وغيره من هجائه قتيبة، فطلبه فهرب، وأتى أم قتيبة فأخذ منها كتاباً إليه في الرضى عنه وترك مؤاخذته بما كان منه، فرضي عنه، فقال له نهارٌ: إن نفسي لا تسكن ولا تطيب حتى تأمر لي بشيءٍ، فإني أعلم أنك إذا اتخذت عندي معروفاً لم تكدره، فأعطاه، فقال:
ما كان فيمَنْ كان في الناسِ قَبْلنَا ... ولا هو فيمَنْ بَعْدَنا كابْنِ مُسْلمِ
أَشَدَّ على الكُفَّارِ قَتْلاً بسَيْفه ... وأَكْثَرَ فينا مَقْسِماً بَعْدَ مَقْسِمِ
فقال له قتيبة: ألست القائل:
أَلاَ ذَهَبَ الغَزْوُ المُقّرَّبُ للغِنَى ... ومات النَّدَى والغَزْوُ بَعْدَ المُهَلَّبِ
فقال له: إن الذي أنت فيه ليس بالغزو ولكنه الحشر.
وأمر له قتيبة بصلةٍ فأبطأت عنه، ولقيه فقال:
ولقَدْ عَلمْتُ وأَنْتَ تَعْلَمُهُ ... أَنَّ العَطاءَ يشينُهُ الحَبْسُ
فقال: عجلوا له الجائزة.
ابن قيس الرقيات
هو عبيد الله بن قيس، أحد بني عامر بن لؤي، وإنما سمي الرقيات لأنه كان يشبب بثلاث نسوة يقال لهم جميعاً رقية.
وهو القائل في مصعب بن الزبير:
إِنَّما مُصْعَبٌ شهابٌ منَ اللَّ ... ه تَجَلَّتْ عن وَجْهِه الظَّلْماءَ
مُلْكُهُ مُلْكُ رَحْمَةٍ لَيْسَ فيه ... جَبَرُوتٌ يُخْشَى ولا كِبْرَياءُ
يَتَّقِى اللهَ في الأُمُورِ وقَدْ أَفْ ... لَحَ منْ كان هَمَّهُ الاتِّقاءُ
كَيْفَ نَوْمِي على الفِرَاشِ ولَمَّا ... تَشْمَلِ الشَّأْمَ غارَةٌ شَعْواءُ
ولما قتل مصعبٌ وصار الأمر إلى عبد الملك بن مروان أتى عبيد الله بن قيس عبد الله بن جعفرٍ يستشفع به إليه، فقال له عبد الله ابن جعفر: إذا دخلت معي على عبد الملك فكل أكلاً يستبشعه عبد الملك ابن مروان! ففعل، فقال له: من هذا يا ابن جعفرٍ؟ قال: هذا أكذب الناس إن قتل! ومن هو! قال: الذي يقول:
ما نَقَمْوا من بني أُمَيَّةَ إِ ... لاَّ أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضبُوا
وأَنَّهُمْ مَعْدِنُ المُلوُك فلا ... تَصْلُحُ إلاَّ عليهِمُ العَرَبُ
فقال عبد الملك: قد عفونا عنه ولا يأخذ مع المسلمين عطاءً، فكان عبد الله بن جعفر إذا خرج عطاؤه أعطاه.
وكان يمدحه بعد ذلك، وهو القائل فيه: