وله يقول جريرٌ:
كَأَنِ الفَرَزْدَقُ إِذْ يَعُوذ بخاله ... مِثْلُ الذَّليلِ يَعُوذُ تحتَ القَرْمَلِ
والقرمل: شجر ضعيفٌ تقول العرب: ذليلٌ عاذ بقرملة.
ولقي الفرزدق أبا هريرة، وقال له: يا فرزدق أراك صغير القدمين، فإن استطعت أن يكون لهما غداً مقامٌ على الحوض فافعل، وقال الفرزدق: سمعت أبا هريرة يقول على منبر المدينة: الذبيح إسمعيل وأنشد الفرزدق سليمان بن عبد الملك:
ثَلاثٌ واثْنَتانِ فهُنَّ خَمْسٌ ... وسادسَةٌ تَميلُ إلى شِمَامِى
فِبتنَ جَنَابَتَىَّ مُطَرَّحاتٍ ... وبتُّ أَفُضُّ أَغْلاقَ الخِتَامِ
كأَنَّ مَفالِقَ الرُّمانِ فيه ... وجَمْرَ غَضًى قَعَدْنَ عليه حَامِ
فقال له سليمان: أخللت بنفسك، أفررت عليها عندي بالزنا، وأنا إمامٌ فلا بد لي من إقامة الحد عليك! قال: ومن أين أوجبته علي؟ قال: لقول الله عز وجل: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ " قال الفرزدق: فإن كتاب الله يدرؤه عني، يقول الله تبارك وتعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون " . فأنا قلت ما لم أفعل.
وأتى سليمان بأسرى من الروم، وعنده الفرزدق فقال له: قم فاضرب أعناق هؤلاء، فاستعفاه من ذلك فلم يعفه، ودفع إليه سيفاً كليلاً، فقام الفرزدق فضرب به عنق رجل منهم، فنبا السيف، فضحك سليمان ومن حوله، فقال الفرزدق:
ما يُعْجِبُ الناسَ أَنْ أضْحَكْتُ خَيْرَهُمُ ... خليفَةَ الله يُسْتَسْقَى به المَطَرُ
لم يَنْبُ سَيْفِىَ من رُعْبٍ ولا دَهَشٍ ... عَنِ الأَسيرِ ولكنْ أُخِّرَ القَدَرُ
ولَنْ يُقَدِّمَ نَفْساً قَبْلَ مِيتَتهِا ... جَمْعُ اليَدَيْنِ ولا الصَّمْامَةُ الَّذكرُ
وفي ذلك يقول جريرٌ:
بَسيْفِ أَبى رَغْوَانَ قَيْنِ مُجَاشعٍ ... ضَرَبْتَ ولم تَضْرِبْ بسَيْف ابنِ ظَالمِ
ضرَبْتَ به عنْدَ الإِمامِ فأُرْعِشَتْ ... يَدَاكَ وقالوا مُحْدَثٌ غَيْرُ صارِمِ
فأجابه الفرزدق:
ولا نَفْتُلُ الأَسْرَى ولكنْ نَفُكُّهُمْ ... إِذا أَثْقَلَ الأَعْناقَ حَمْلُ المَغَارِم
وهَلْ ضَرْبةُ الرُّومِّى جاعلَةٌ لَكُمْ ... أَباً عن كُلَيْبٍ أَو أَخاً مثْلَ دارِمِ
ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلب في الحبس فقال:
أصْبَحَ في قَيْدِكَ السَّماحَةُ والْ ... جُودُ وحَمْلُ الدَّياتِ والإِفْصالُ
فقال له: أتمدحني وأنا على هذه الحال؟ قال: أصبتك رخيصاً فأسلفتك.
ومما سبق إليه فأخذ منه أو سبق إليه فأخذه قوله:
ومُنْتَكثٍ علَلْتُ بالَّسوْط رَأْسَه ... وقد كَفَرَ الخُرُوقَ الخَوَاليَا
يعني بالمنتكث بعيراً انتكث أي هزل، وقال الآخر: في وصف سوط:
ومُنْتَكثٍ عالَلْتُ مُلْتاثَةً به ... وقد حَدَرَ اللَّيْلُ النُّسُورَ العَوالَيا
وأخذ عليه قوله:
وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لم يَدَعْ ... منَ المالِ إلا مُسْحَتاً أَو مُجَلَّفُ
وقد أكثر النحويون في الاحتيال لهذا البيت، ولم يأتوا فيه بشيءٍ يرتضى.
وقوله:
وعنْدِي حُسامَا سَيْفِهِ وحمائِلُهُ
أراد حسان سيفه فثنى، ومثله لقيس بن الخطيم يصف الدرع:
كأَنَّ قَتيرَيْها عُيُونُ الجَنَادِبِ
أراد قتيرها، والقتير: مسامير الدرع، ومثله قول جرير:
لمَّا تّذَكَّرْتُ بالدَّيْريْنِ أَرَّقَنى ... صَوْتُ الدَّجاجِ وقَرْعٌ بالنَّوَاقِيسِ
أراد دير الوليد، فنثى، وهو دير مشهور بالشأم.
وعابه الأخطل بقوله:
أَبَنى غُدانَةَ إِننى حَرَّرْتُكُمْ ... ووهَبْتُكُمْ لعطِيَّةَ بن جِعَالِ
لَوْلاَ عَطِيَّةُ لاَجْتَدَعْتُ أُنُوفَكُمْ ... من بَيْن أَلْأَمِ آنُفٍ وسِبَالِ
وقال: كيف يهبهم له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟ وقال عطية بن جعالٍ حين سمع هذا: ما أسرع ما رجع أخي في عطيته.
ومن جيد الشعر قوله لجرير:
فإِنْ تَكُ كَلْباً من كُلَيبٍ فإِننى ... مِنَ الدارِمِيِّينَ الطَّوَالِ الشَّقَاشِق