FluentPlex

On Friendship and Friends

Original text Public domain

Read with the dictionary

إن أول حاجتي إليك أن تتدبري كتابي إليك تدبر إنصاف، ثم تجيبنني عنه جواب متثبت، فإن أخفى الجور جور الاستماع، وأنفع العدل عدل الجواب، وليس فيما بين هاتين موضع قدم لواحد من الأمرين، وأصل اختلاف العباد في جميع الأمور من علتين: إما جهل بما يدعون، وإما جحد لما يعرفون، والجاهل بما يدعي أرجى رجعة من الجاحد لما يعرف، وإن كان لا عذر له في ترك علم ما يجهل، كملا لا عذر لأحد في جحد معروف، ولست أدري إذا ناضحت حجته أي حاليه أولى بالتعانيف، أجهله من جميل كنت أفعله؟ أم جحده بعد تعريف وتوقيف؟ وما اقتصرت بك على أدنى حال الإنصاف ألا أكون راجية أن أجدك في أفضلها، ولكني نهضت إلى الانتصاح من لا يميل بواضح يغنيني عن شبه المعاذير، ولم آمن مع ذلك أن تظني أني إلى مشكلات الأمور مضطرة، ولم أكن لأقدم الوهن، وأخلف القوة، ومع ذلك فإن من الحق ما يخبئ نار اللجاجة، ومنه ما يذكيها، فأتيتك من أقرب مأتاك، فلا يكونن ما أفدت به رضاك علة لمنعه فإن هذه التي انتصلت علتها قبل اللجاجة والأراجيف ابتدأت في مقارعة القطيعة والصلة ووقفت بينهما موقف المراهنة، ولك، أصلحك الله، طول على العتب وعى ذل الاعتذار، فلا يمطمس ذلك نور ما يرد عليك فإني أعتد عليك خصالاً في كلها ضربت الأمثال منها قول أكثم بن صيفي: الجود بالمجهود منتهى الجود، وأنت تعلمين أن مجهودي كله كان لك، ومنه قول النابغة:

إذا كان مجبولاً على النصح صاحبي ... عفا النصح عما زل من حيث لا يدري

وما استزدتني نصيحة قط، ولا اتهمتني على غش، ومنه قول طرفة:

ما لي إليك شفيع أستعين به ... إلا رجائي وإفراديك بالأمل

وما استبطأتك في أمر قطن ولا أشرت بأملي إلى سواك، فأي مدخل المتهمة مع ذه الحال، وإن أجمع لصفة ما بيننا كقول الأعشى:

وما تفيأت من سرور ... فتم إلا بكم سروري

هذه أعيان وسائلي التي نافرت إليها عتبك، واستعفيت من جحدها علمك، فأما ما يأخذه التخلق ويكون مثله على بعض الإخوان من بعض الشبهة من إيثار الهوى، وتحري الموافقة، والصبر على الجفوة، فذاك الذي إن ضرب لي سهم في إنصافك فقد ينال ذلك بأقل مما كنت تدعينه، وأما الغيبة فيما بيني وبينك، فقد أمكنك من ذلك الاعتداد به، ومحاكمتك إلى ما هو أرجى منه.

كاتب: واعلم أن الشجر يتفاضل في الثمر، فرب شجرة طيبة الحمل قليلته، وأخرى خبيثة الحمل كثيرته، وكذلك العلماء، فلا يمنعك من عالم وعليك بحسن الاقتباس، والصبر على الناس، فإنك إن كنت لا تصحب إلا المهذبين من أهل العقول، ولم تصبر من الناس على الفضول، عدمت الحلم، ونسيت العلم، واعلم أن في الناس حكمة، ومجالستهم تجلو بعض الظلمة، فاحتملهم على المخالفة وتمويه المصادقة، واقتبس منهم المحاسن، وتجاف عن المساوئ، واعلم أن الأخلاء ثلاثة أصناف: فرع بائن من أصله، وأصل متصل بفرعه، وفرع ليس له أصل، فأما الفرع البائن من أصله فإخاء بني على مودة ثم انقضت فحافظ على ذمام الصحبة، وأما الأصل المتصل بفرعه فإخاء أصله الكرم، وأغصانه الهوى، وأما الفرع الذي ليس له أصل فالمموه الظاهر الذي ليس له باطن، ولهذه الصنوف علامات تدل عليها هذه الحالات.

ومن الإخوان كالجوهر، منه مموه مصنوع، وبعضه خالص مطبوع، فاعرف الرجال بالخبر، كما تسبر الجوهر بالبصر، واعلم أن ثقات الإخوان، بقدر ما يستوجبون من الائتمان، فإن ميزان الكرام عادل، وصاعهم كامل، يوفيان الحالات فروضها، ولا يبخسانها حقوقها، فلو بلغت لرجل فوق قسطه في الإخاء خفتا على ذي الفضل، أو قصرت بآخر عن الوفاء، وأزرت بأهل العدل، واعلم أن لأهل الفضل حظوظاً مقسومة، ومنازل معلومة، بعضها أشرف من بعض، ولكل منزلة حماها، لهم الفعال فليست تصلح إلا لهم، واعلم أن أبناء الكرام بمنزلة سيل الغمام، ينسبون إلى الكرم ما لم يبلهم الخبر، كما ينسب الغيث إلى المنفعة ما لم يبدر له ضرر، فإذا بلوا حمد المحمود، وذم المنكود.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account