جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا ضيماً ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف
قال شبيب بن شيبة: إخوان الصديق خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء.
قال أعرابي لصاحب له: أنزلني من نفسك منزلة عبد، أنزلك من تفسي منزلة مولى، فإنك إذا فعلت ذلك تطاوعنا بلا أمر، وتناهينا بلا زجر، وإذا كان رقيبنا العقل، الهادي إلى الرضا، الذائد عن الأذى، فلا عتب يسود به وجه، ولا عذر يغض منه طرف، والسلام.
كاتب. أما بعد، فقد استجبت لإخائك، ثقة مني بوفائك، فلما أن طعمت فضلك، وسرت مسيرك، واستفرغتني مودتك، واستغرقتني مقتك، فاجأتني بتغير لونك، وانزواء ركنك، وفاحش لفظك، وشانيء لحظك.
شاعر:
ستنكت نادماً في الأرض مني ... وتعلم أن رأيك كان عجزا
وقال الراجز:
إن الرفيق لاصق بقلبي ... إذا أضاف جنبه بجنبي
أبذل نصحي، وأكف لعبي ... ليس كمن يفحش أو يحظنبي
قال بعض السلف: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، ولعدوك عدلك وإنصافك.
شاعر: ترك التعهد للصديق يكون داعية القطيعة قال أبو بكر في دعائه: اللهم! إني أعوذ بك من نظرة غيظ نفذت من عين حاسد، غائبها حرب، وشاهدها سلم.
شاعر:
فلا تقطع أخاك من أجل ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم
وأنشد:
إذا أنكرت أحوال الصديق ... فلست من التحيل في مضيق
طريق كنت تسلكه زماناً ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق
كاتب: عرضت عليك مودتي فأعرضت عني، وأعرض عنك غيري فتعرضت له، فالله المستعان على فوت ما أملته لديك، وبه التعزي عما أصبت به منك.
مر بخالد بن صفوان صديقان، فعرج عليه أحدهما وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته. ويروي في مثله: عرج علينا هذا بالمقة وانصرف ذاك عنا بالثقة.
شاعر:
أعاتب ليلى إنما الهجر أن ترى ... صديقك يأتي ما أتى لا تعاتبه
قال أعرابي لصاحب له: قد درن ذات بيننا، فهلم إلى العتاب لنغسل به هذا الدرن، فقال له صاحبه: إن كان كما تصف فذاك لبادرة ساءتك مني، إما لك وإما لي، فهلا أخذت بقول القائل:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
والله لا صفت مودتنا، ولا عذب شربها لنا إلا بعد أن يغفر كل واحد منا لصاحبه ما يغفره لنفسه من غير من ولا أذى.
شاعر:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن جانب السيف مزحل
قال العوامي: الصديق يرتفع عن الإنصاف، ويجل أيضاً عن الهجران، لأن الإنصاف ينبغي أن يكون عاماً مع الناس كلهم، وأما الهجران، فالعاقل لا يسرع إليه لعدم الإنصاف بل يستأني، ويقف، ويكظم، ويتوقع، ويرى أن العارض في الأمر لا يزال به الأمر الثابت، والعرق النابت.
شاعر:
إذا رأيت ازوراراً من أخي ثقة ... ضاقت علي برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبي وقلبي غير غضبان
وقال العتبي:
وصاحب لي أبنيه ويهدمني ... لا يستوي هادم يوماً وبنآء
إذا رآني فعبد خاف معتبة ... وإن نأيت فثم الغمر والداء
بلغ الإسكندر الملك موت صديق له فقال: ما يحزنني موته أني لم أبلغ من بره ما كان أهله مني.
قال ابن أبي ليلى: لا أماري صديقي، فإما أن أكذبه، وإما أن أغضبه.
وكان بين القاضي أبي حامد المروروذي وبين ابن نصرويه العداوة الفاشية، والشحناء الظاهرة، فكان إذا جرى ذكر ابن نصرويه أنشد:
وأبي ظاهر العداوة إلا ... طغياناً، وقول ما لا يقال