قيل لروح بن زنباع: ما معنى الصديق؟ قال: لفظ بلا معنى.
وأنشد هلال بن العلاء الرقي:
لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من غم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد ملا قلبي محبات
والناس داء، وداء الناس قربهم ... وفي الجفاء لهم قطع الأخوات
فلست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات
ألقى العدو بوجه لاقطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات
وأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودات
قال الشعبي: تعايش الناس بالدين زماناً حتى ذهب الدين، ثم تعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زماناً طويلاً.
لسعية بن عريض اليهودي:
وإذا تصاحبهم تصاحب خانة ... ومتى تفارقهم تفارق عن قلى
إخوان صدق ما رأوك بغبطة ... فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
إن الكريم إذا أردت وصاله ... لم يلف حبلي واهناً رث القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
قرع رجل باب بعض السلف في ليل فقال لجاريته: أبصري من القارع؟ فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال: أنا صديق مولاك، فقال الرجل: قولي له: والله إنك لصديق، فقالت له ذلك فقال: والله إني لصديق، فنهض الرجل وبيده سيف، وكيس، يسوق جارية، وفتح الباب وقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لابك، ما ساءك، فإني قد قسمت أمرك بين نائبة فهذا المال، وبين عدو فهذا السيف، أو أيمة فهذه الجارية؟! فقال: الرجل: لله بلادك ما رأيت مثلك.
قال الأحنف: من حق الصديق أن يحتمل له ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة.
قال بزرجمهر: إياك وقرناء السوء، فإنك إن عملت قالوا: رائيت، وإن قصرت قالوا: أثمت، وإن بكيت قالوا: شهرت، وإن ضحكت قالوا: جهلت، وإن نطقت قالوا: تكلفت، وإن سكت قالوا: عييت، وإن تواضعت قالوا افتقرت، وإن أنفقت قالوا: أسرفت، وإن اقتصدت قالوا: بخلت.
وقال أبو بكر: قارب إخوانك في خلائقهم تسلم من بوائقهم، وترتع في حدائقهم.
قال أعرابي: دع مصارمة أخيك وإن حثا التراب في فيك.
قال عمرو بن العاص: من أفحش الظلم أن تلزم حقك في مال أخيك، فيبذله لك، ويلزمك حقه في تعظيمك إياه فتمنعه، فإذا أنت جشمته إفضال المنعمين، وابتذلته ابتذال الأكفاء.
وقال أعرابي لصديق له: كن ببعضك لي حتى أكون بكلي لك.
وفي كليلة ودمنة: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت تنناً، وإذا مرت على الطيب حملت طيباً.
وقال أيضاً: المودة بين الصالحين بطيء انقطاعها، سريع اتصالها، كآنية الذهب، بطيئة الانكسار، هينة الإعادة، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها، بعيد اتصالها، كآنية الفخار التي يكسرها أدنى شيء، ولا وصل له.
قال عثمان بن عفان: ما ملك رفيقاً من لم يتجرع بغيظ ريقاً.
قال أبو عثمان النيسابوري، وكان من الزهاد العباد: أنكر علي أبو حفص، أيام ملازمتي وخدمتي له شيئاً، فضقت ذرعاً، وهممت لو أني بطي الأرض حتى لا يراني، فخيل إليه ذاك مني، فلما رآني قال لي: يا أبا عثمان! لا تثق بمودة من لا يحبك إلا معصوماً، قال: فسكنت وعدت إلى العادة.
قال الأصمعي فيما روي لنا المرزباني عن ابن دريد، عن عبد الرحمن، عن الأصمعي قال أعرابي: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، واعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
قيل لمسور بن مخرمة الزهري: أي الندماء أحب إليك؟ قال: لم أجد نديماً كالحائط، إن بصقت في وجهه لم يغضب علي، وإن أسررت إليه شيئاً لم يفشه عني.
قال ابن مناذر: كنت أمشي مع الخليل فانقطع شسع نعلي فخلع نعله فقلت له: ما تصنع؟ قال: أواسيك بالحفاء! وقال بعض السلف: إياك وكره الإخوان، فإنه لا يؤذيك إلا من تعرف وأنشد: