وكان يقول: والله إني بباطنه في عداوته أوثق مني بظاهر صداقة غيره، وذاك لعقله الذي هو أقوى زاجر له عن مساءتي، إلا فيما يدخل في باب المنافسة، ولهذا استمر أمرنا أربعين سنة، من غير فحاشة ولا شناعة، ولقد دعيت إلى الصلح فأبيت فقلت: لا نحرك الساكن منا، فلقديم العداوة بالعقل، والحفاظ من الذمام والحرمة ما ليس لحديث الصداقة بالتكلف والملق، ولقد وقفني مرة على ضربة تأتت له علي كان فيها البوار، كف عنها، وأخذ بالحسنى، فأريته أختها، وكانت خافية عنده، فقال: لولا علمي بأنك تسبق إلى مثل هذه ما قابلتك بتلك، فقلت: هو والله ذاك، ووالله لقد ضرني ناس كانوا ينتحلون مودتي، ويتبارون في صداقتي، لضعف نحائزهم، ولؤم غرائزهم، ولقد ثبت لي هو في عداوته على عقل وتذمم أفضيا بهما إلى سلامة الدين، والنفس، والحال. وورد معز الدولة هذا المصر، فسأله عني سراً، فأثنى خيراً وقال: ما قطن مصرنا غريب أعظم بركة منه، وإنه لجمالنا عند المباهاة، ومفزعنا عند الخلاف. ولقد سألني معز الدولة عنه سراً، فأثنيت خيراً وقلت: أيها الأمير! والله ما نشأت فتنة في هذا المصر إلا وهو كان سبب زوالها، وإطفاء ثائرتها، وإعادة الحال إلى غضارتها ونضارتها. فقال معز الدولة لأبي مخلد سراً، كيف الحال بينهما، يعنينا، فقال: بينهما نبو لا ينادى وليده، وتعاد لا يلين أبداً شديده. فقال: لئن كان كما تقول فإنهما ركنا هذا البلد، وعدتا هذا السواد، اجعلهما عيني أبصر بهما أحوال الناس في هذا المكان، وأعول عليهما في ما يريان ويشيران، فخلا بي أبو مخلد وبصاحبي، وتقدم إلينا عن صاحبه بما زادنا بصيرة وتألفاً إلى هذه الغاية، ثم قال أبو حامد: والله إن عداوة العاقل لألذ وأحلى من صداقة الجاهل، لأن الصديق الجاهل يتحاماك بعداوته، ويهدي إليك فضل عقله ورأيه، ومن فضل عداوة الجاهل أنك لا تستطيع مكاشفته حياء منه، وإيثاراً للإرعاء عليه، ومن فضل عداوة العاقل أنك تقدر على مغالبته بكل ما يكون منه إليك، ثم قال: وما أظن أنه كان فيما مضى إلى وقتنا هذا متصادقان على العقل والدين مثل أبي بكر وعمر، ومن يتحرى أخبارهما، ويقفو آثارهما وقف على غور بعيد، هذا مع العنجهية المصحوبة أيام الجاهلية، والعجرفية المعتادة أوان الكفر، فلما أنار الله قلوبهما بالإيمان رجعا إلى عقل نصيح، ودين صحيح، وعرفان بالعرف والنكر، ونهوض بكل ثقل وخف، وإني لأرحم الطاعن فيهما، والنائل منهما، لضعف عقله ودينه، وذهابه عما خصا به، وعما فيه، وميزا عنه، ورقيا إليه، واندفع في هذا وشبهه، وكان والله بليل الريق، يستحضر كيف شاء بالطويل والعريض، والجليل والدقيق.
أطلنا هذا الفصل على ما اعتن، والمعذرة فيه مقدمة إليك، وأنت أولى من يقبلها، وزادني تفضلاً من عنده عليهما، جامعاً لما شت من الكرم، حافظاً لما قد ضاع من الذمم.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: شر الإخوان من تكلف له، وخيرهم من أحدثت لك رؤيته ثقة به، وأهدت إليك غيبته طمأنينة إليه.
شاعر:
لو قيل لي خذ أماناً ... من أعظم الحدثان
لما أخذت أماناً ... إلا من الإخوان
أنشد عمر بن عبد العزيز:
إني لأمنح من يواصلني ... مني صفاء ليس بالمذق
وإذا أخ لي حال عن خلق ... داويت منه ذاك بالرفق
والمرء يصنع نفسه ومتى ... ما تبله ينزع إلى العرق
وأنشد آخر:
يا أكرم الناس في ضيق وفي سعة ... وأنطق الناس في نظم وفي خطب
إنا وإن لم يكن ما بيننا نسب ... فرتبة الود تعلو رتبة النسب
كم من صديق يراك الشهد عن بعد ... ومن عدو يراك السم عن قرب
وأنشد آخر:
فما منك الصديق ولست منه ... إذا لم يعنه شيء عناكا
قال أعرابي: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة.
قال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد بداً من معاشرته حتى يجعل الله له من ذلك مخرجاً.
قال أبو بكر: حق الجليس إذا دنا أن يرحب به، وإذا جلس أن يوسع له، وإذا حدث أن يقبل عليه، وإذا عثر أن يقال، وإذا أنقص أن ينال، وإذا جهل أن يعلم.