إنا على البعاد وللتفرق ... لنلقي بالذكر إن لم نلتق
فأجابه: لم تعد ما في النفس، بلغك الله أملك، ونحن وإن لم نلتق كما قال رؤبة:
إني وإن لم ترني فإنني ... أراك بالغيب وإن لم ترني
أخوك والراعي لما استرعيتني
ولكني أحذر عليك، فإنه لا تفى محبتي إليك، ومن لم يحذر فقد ضيع الحزم، وأنا أسأل الله أن يجعل عليك واقية برحمته.
وكتب آخر: من عاقته العوائق عن المحاورة، عول على المكاتبة، وأنا آنس بذكرك فضلاً عن مكاتبتك، وبمكاتبتك فضلاً عن رؤيتك، ولو تقاربت المنازل كتقارب القلوب لأحبت داعي الشوق إليك في الحذاء والرداء، والضياء كتقارب القلوب لأحبت داعي الشوق إليك في الحذاء والرداء، والضياء والدجى وأنشدني منشد:
كنا نزوركم والدار جامعة ... في كل حال فلما شطت الدار
صرنا نقدر وقتاً في زيارتكم ... وليس للشوق في الأحشاء مقدار
ولرب منازل متقاربة لقلوب متباعدة، يجمعهم النفاق، وتفرق بينهم الأخلاق! وكنت كتبت إلى صديق يمرح في بعض ما يستهدي:
لا تجعلن بعد داري ... مخسساً لنصيبي
فرب شخص بعيد ... إلى الفؤاد قريب
ورب شخص قريب ... إليك غير حبيب
ما البعد والقرب إلا ... ما كان بين القلوب
لابن ثوابة: فلبثت بعدك بقلب يود لو كان عيناً فيراك، وعين تود لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك.
وقع أحمد بن صالح بن شيرزاد إلى رجل: أنت ضعيف الإخاء، قليل الوفاء، معاملك معك في عناء، ومعاشرك منك في بلاء.
وكتب إلى صديق له: وصل كتابك مخبراً بعافيتك، مبشراً بسلامتك، مذكراً بلذيذ عشرتك، وطيب ألفتك، ناطقاً بصحيح ودك، وكريم عهدك، وإني لآنس بذكرك، فضلاً عن مكاتبتك، وبمكاتبتك فضلاً عن رؤيتك، إلا إني في ذلك كما قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير من الحبيب القليل
عيسى بن فرخشانه: اعتقدت ودك، وأوجبت حقك، واعتددت بشكك، ولحفظ حالك عندي رقيب من عنايتي لا يفتر فيك لفظه، ولا يصرف عنك لحظه، وذكر السيد استيحاشه لقصدي، وحنينه إلى لقائي، والأنس آخر ما يبذل من ذات النفس، وأجل ما تخص به السادة أولياءهم، والإخوان إخوانهم، وبه تنال راحة المفاوضة والمباثة، وعليه تبنى الثقة والمشاورة، وإليه ينتهي إخاء المودة، فإذا بلغه أهلها قضوا حقوقها، واستوفوا شروطها، والسيد ممن لا يخص بأنسه إلا من ترتضتي أخلاقه، وتحمد مذاهبه، وكفى بذلك فضلاً لمن ناله، فأين يبلغ شكري ما قضي به من ذلك لي.
وكتب أيضاً: وأنا - والله - أيها السيد ما زلت كاتباً، وممسكاً، وفائزاً، ومثابراً، الوالي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عروة اوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، ولا خير في المذق والشوب، والمماذق أخو المنافق، والشائب هدف العائب، والرجل بمواقع اختياره إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، يدل على خطره وقدره، ويقوم نفسه قيمة يرجع إليها من عامله وعدل عليه.
محمد بن بحر: وثل كتابك فناب عن زهر الرياض حسناً، وأخبر عن فتيق المسك عرفاً، لما جمع من غريب المعنى، وبديع اللفظ، وتصرف كاتبه - لاعدمته - في بر جدده، وتفضل وكده.
القاسم بن محمد الكرخي: قد واصلت أياماً تباعاً، غدواً إليك ورواحاً، حتى ملني البكور، وسئمني التجهيز، وشكاني الطريق، ولحاني الصديق، وفي كل ذلك أعاق عنك بالحجاب:
ولا خير في ود امرئ متكاره ... عليك، ولا في صاحب لا توفقه
هذا من عتاب جاش به الصدر، وقل عن كتمانه الصبر، فإن عطفك حفاظ فأهل البر والفضل أنت، وإلافإني على على العهد ولا أقول:
فما ملني الإنسان إلا مللته ... ولا فاتني شيء ظللت له أبكي
كاتب: أطال الله بقاءك، والمخاطبة بكل دعاء تخاطب به إخوان الصفاء وإن ضعفت اليد عن اسقصائه، وضاق ما يكتب فيه عن استيفائه.