FluentPlex

On Friendship and Friends

Original text Public domain

Read with the dictionary

ومما دونوه من الكلام: انه يجب على العاقل أن يتخذ أبويه أصدقاء، وإخوانه رفقاء، وأزواجه ألافاً، وبنيه ذكراء، وبناته خصماء، وأقاربه غرماء، والعلماء أولياء، والجيان رقباء، ويعد نفسه فرداً وحيداً، فذكروا رقبة الجيران، وحضوا على توقيها، فكيف بالجار العدو، وأما الصديق الذي يضر قربه فهو الذي إذا قرب توصل بصداقته إلى معرفة الأسرار، وعلم الأخبار، ثم تحفظ الزلل، والتقط الخلل، وأحصي الفلتات، وعد الهفوات، وراعى عثرات الألسن، وبوادر القول والعمل، عند الغضب والرضا، وفي أوقات الاسترسال التي يخلو الإنسان فيها من إغفتال، ثم جعل ذلك سلاحاً معداً يحمله على صديقه وقت العداوة وقد قيل في ذلك: يحصي العيوب عليك أيام الصداقة للعداوه ونحن لم نخالف في ما عممنا به من الذم في باب الإخاء والأنس قول النابغة:

ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث: أي الرجال المهذب

وقول الآخر:

هم الناس والدنيا ولم يزل القذى ... يلم بعين أو يكدر مشربا

ومن قلة الإنصاف أن تطلب الأ ... خ المهذب في الدنيا ولست مهذبا

وقال آخر:

وكنت إذا الصديق نبا بأمري ... وأشرقني على حنق بريقي

غفرت ذنوبه وكظمت غيظي ... مخافة أن أعيش بلا صديق

هؤلاء إنما أوجبوا الإغضاء والاحتمال والصبر والكظم مع سلامة الإخاء، وإنما وقفوا بالصفح والعفو على ما يخلو الإنسان يأنس به من مثله، ألا ترى النابغة يقول: أي الرجال المهذب؟ والآخر يقول: مخافة أن أعيش بلا صديق، والآخر يقول: ومن قلة الإنصاف أن تطلب الأخ المهذب في الدنيا ولست مهذباً، نقول كما قالوا، ونغفر كما غفروا لو وجدنا من يسلم لنا جملة إخائه، وإنما نشكو فقد عمود الإخاء الذي حصوله يغفر ما دونه، وحيث بلغنا من هذه الشكوى، وهذا الذم، فلسنا نجحد النعمة في بقية جميلة في هذا الزمان من أحرار الإخوان قد قدمك الله فيهم فضلاً وبراً، وهمة عليه، وأخلاقاً رضية، ومع ذلك فإن على العاقل في شريطة الإخاء إذا وجد موضع الدين والوفاء أن يقتصد في المؤاخاة، ويتقصر من العدة على من تفي طاقته بما يجب لهم، فإن حقوقهم إذا زادت على وسعه لحقته الإضاعة لبعضها، وجنت الإضاعة عليه العداوة ممن أضاع حقه، ولذلك قيل: كثرة الأعداء من كثرة الأصدقاء، وانتظم في هذا المعنى:

إذا اتسع الإخاء عرت حقوق ... مراعيها مقيم في مضيق

فإن خصت رعايته فريقاً ... أخل بما عليه في فريق

وإن رام القيام لهم جميعاً ... بشرط الود لم يك بالمطيق

وأوحش بعضهم فأفاد منه ... عدواً كان في عدد الصديق

فخذ ممن تؤاخيه بقصد ... وقدر فتح أبواب الحقوق

وقال:

إذا كثر الإخوان للمرء وابتغوا ... معونته في صرف دهر وغدره

فوحدته لا تستقل بحقهم ... وكثرتهم لا تستقل بضره

وكنت أعلمتني أنك استحسنت مني البيتين في ذكر العدو والصديق وهما:

إن كنت تطلب فضلاً ... إذا ذكرت ومجدا

فكن لعبدك خلا ... وكن لخلك عبدا

وكان سببهما ا، صديقاً لي ضرب عبداً له فحضره صديق له فمنعه الصديق فلم يمتنع، فكتبت إليه بهذين البيتين أذكره بحق الصديق في عبودية الطاعة، وأخوة العبد في حق الإيمان، قال الله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة " ، هذا ما في التسلط على المماليك من الدناءة!

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account