كان ابن كعب يقول: أنا أستجفي هذا القائل، ولم لا أرى لصديقي فوق ما يرى لي؟ ولم لا أعتبده بالإعضاء، والإحسان، والتفضل، والصبر؟ ولم لا أفارضه وأقايضه؟ ولم أرى أني مغبون إذا كان الربح له، ولم لا أظلم نفسي في مرضاته وإن وجب أن نتسوى أبداً في الفعل والقول، ونتكايس في الانقباض والانبساط، ونتحافظ على اختلاس الحظ والنصيب، فهل تركنا لأصحاب المذاب والتطفيف شيئاً من الدناءة إلا وأخذنا به، ورأيناه مرغوباً فيه، تالله! ما هذا من الصداقة في شيء، وإنه إلى الخساسة والنذالة أقرب.
وقال بعض العلماء: التمس ود الرجل العاقل في كل حين، وود الرجل ذي النكر في بعض الأحايين، ولا تلتمس ود الرجل الجاهل في حين.
قيل لديوجانيس: ألك صديق؟ قال: نعم، ولكني قليل الطاعة له، قيل: لعله غير ناصح فلذلك أنت على ذاك قال: لا بل هو غاية في النصح، نهاية في الشفقة، قيل: فلم أنت على دأبك هذا المذموم مع إقرارك بفضل صديقك؟ قال: لأن جهلي طباع، وعلمي مكسوب، والطباع سابق، والمكسوب تابع، قيل: فدلنا على صديقك هذا الناصح المشفق حتى نخطب إليه صداقته، ونجتهد في الطاعة له، والقبول منه، قال: صديقي هو العقل، وهو صديقكم أيضاً، ولو أطعتموه لسعدتم ورشدتم، ونلتم مناكم في أولاكم وأخراكم، فأما الصديق الذي هو إنسان مثلك فقلما تجده، فإن وجدته لم يف لك بما يفي به العقل، ولم يبلغ بك ما يبلغ بك العقل، وربما أتعبك، وربما حزبك، وربما أشقاك، فاكبحوا أعنتكم عن الصديق الذي يكون من لحم ودم وعظم، فإنه يغضب فيفرط، ويرضى فيسرف، ويحسن فيعدد، ويسيء فيحتج، ويشكك فيضل.
قال الشاعر:
أخي لن تستفيد، الدهر، مثلي ... شريكاً في الحياة وفي الممات
أتتركني وأنت ترى مكاني ... وتطلبني إذا حانت وفاتي
فليس بنافعي طلب بثأري ... وأخذك من بغاني بالترات
فإن أهملتني وطرحت حقي ... عليك فلا تغافل عن وصاتي
بني إذا هلكت فلا تضعهم ... وصن عمن يعاديني بناتي
فلو كنت الأسير ولا تكنه ... عزمت على حياتك لي حياتي
قال عيسى بن مريم عليه السلام فيما حدثنا ابن الجمل الكاتب النصراني لتلامذته: علامتكم التي تعرفون بها أنكم مني؛ أن يود بعضكم بعضاً.
وقال عيسى أيضاً لأيشوع تلميذه: أما الرب فينبغي أن تحبه بكل قلبك، ثم تحب قرينك كما تحب نفسك، قيل له: بين لنا يا روح الله ما بين هاتين المحبتين حتى نستعد لهما بتبصرة وبيان، قال: إن الصديق تحبه لنفسك، والنفس تحبها لربك، فإذا صنت صديقك فلنفسك تصون، وإذا جدت بنفسك فلربك تجود.
وقال الشاعر:
ومن لم يكن منصفاً في الإخاء ... إن زرت زار وإن عدت عادا
أبيت عليه أشد الإباء ... وإن كان أعلى قريش عمادا
وقارضته الوصل كيلاً بكيل ... ووزناً بوزن علي لدادا
فإن هو صحح في وده ... جعلت اللسان له والفؤادا
وإن بدل القول دون الفعال ... بذلت اللسان وصنت الودادا
قيل لعبد الله بن المبارك: إن قوما يلتقون بالبشر والسلام فإذا تفرقوا طعن بعضهم على بعض. فقال: أعداء غيب، إخوة تلاق، تباً لهذه الأخلاق، كأنما شقت من النفاق.
وقال آخر:
وإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد، وأين ذاك الواحد
آخر:
وإن امرءاً يصلي الصديق بشره ... لأول من يبقى بغير صديق
قال سعيد بن ميمون: لقيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فصافحني ثم قال:
إذا شئت أن تلقى خليلاً مصافياً ... لقيت، وإخوان الثقات قليل
فقلت: أمثلك يقول الشعر؟ فقال: أو ما علمت أن المصدور إذا نفث برأ.
وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، وسوسوا السفلة بالمحاور صراحاً.
شاعر:
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في مرامه الحيل
آخر:
إذا المرء لم يبذل من الود مثل ما ... بذلت له فاعلم بأني مفارقه
فإن شئت فارفضه فلا خير عنده ... وإن شئت فاجعله صديقاً تماذقه