فإِمَّا تَرَيْنِي قد تَرَكْتُ لجَاجَتي ... وَأَصْبَحْتُ مُبْيَضَّ العِذَارَيْنِ أَشْيَبَا
وَطاوَعْتُ أَمْرَ العاذِلاتِ وَقد أُرَى ... عليهنَّ أَبَّاءَ القَرِينَةِ مِشْغَبَا
فَيارُبَّ خَصْمٍ قد كَفَيْتُ دِفاعَهُ ... وقَوَّمْتُ منهُ دَرْأَهُ فَتَنَكَّبَا
ومَوْلىً علي ضَنْكِ المَقامِ نَصَرْتُهُإِذَا النِّكْسُ أَكْبَى زَنْدَهُ فَتَذَبْذَبَا
وأَضْيافِ لَيلٍ في شَمَالٍ عَرِيَّة ... قَرَيْتُ منَ الكُومِ السَّدِيفَ المُرَعَّبَا
ووَارِدَةٍ كأَنَّها عُصَبُ القَطَا ... تُثيرُ عَجَاباً بالسَّنابِكِ أَصْهَبَا
وزَعْتُ بِمِثْلِ السِّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ ... كَمِيشٍ إِذَا عِطْفَاهُ ماءً تَحَلَّبَا
وأَسْمَرَ خَطِّيٍّ كأَنَّ سِنانَهُ ... شِهابُ غَضاً شَيَّعْتَهُ فَتَلَهَّبَا
وفتْيانِ صِدْقٍ قد صَبَحْتُ سُلاَفَةً ... إِذا الدِّيكُ في جَوْشٍ منَ اللَّيْلِ طَرَّبَا
سُخَامِيَّةً صَهْباءَ صِرْفاً، وتارةً ... تَعَاوَرُ أَيديهمْ شِوَاءً مُضَهَّبَا
ومَشْجُوجَةً بالماءِ يَنْزُو حَبابُها ... إِذا المُسْمِعُ الغِرِّيدُ مِنها تَحَبَّبَا
وسَرْبٍ إِذا غَصَّ الجَبانُ بِرِيقِهِ ... حَمَيْتُ إِذا الدَّاعِي إِلى الرَّوْعِ ثَوَّبَا
ومرْبأَةٍ أَوْفَيْتُ جُنْحَ أَصِيلَةٍ ... عليها كما أَوْفَى القَطَامِيُّ مَرْقَبَا
رَبيئَةَ جَيْشٍ أَو رَبِيئَةَ مِقْنَبٍ ... إِذَا لم يَقُدْ وَغْلٌ منَ القومِ مِقْنَبَا
فلمَّا انْجلَى عَنِّي الظَّلاَمُ دَفَعْتُها ... يُشَبِّهها الرّائِي سَرَاحِينَ لُغَّبَا
إِذا ما عَلَتْ حَزْناً بَرَتْ صَهَواتِهِ ... وإِنْ أَسْهَلَتْ أَذْرَتْ غُباراً مُطَنَّبَا
فَما انْصَرَفَتْ حتى أَفاءَتْ رماحُهُمْ ... لأَِعْدَائِهمْ في الحربِ سَمًّا مُقَشَّبَا
مَغاويرَ لا تَنْمِي طَريدةُ خَيْلِهمْ ... إِذَا أَوْهَل الذُّعْرُ الْجَبانَ المُركَّبَا
ونحن سَقَيْنا مِنْ فَريرٍ وبُحْتُرٍ ... بِكلِّ يَدٍ مِنَّا سِناناً وثَعْلَبَا
ومَعْنٍ ومِن حَيَّيْ جَدِيلَةَ غادَرتْ ... عَمِيرَةَ والصِّلَّخْمَ يَكْبُو مُلَحَّبَا
ويومَ جُرَادَ اسْتَلْحَمَتْ أَسَلاَتُنا ... يَزيدَ ولم يَمْرُرْ لَنا قَرْنُ أَعْضَبَا
وقاظَ ابنُ حِصْنٍ عانِياً في بُيُوتنا ... يُعالِجُ قِدًّا في ذِرَاعَيْهِ مُصْحَبَا
وفارسَ مَرْدُودٍ أَشَاطَتْ رِماحُنا ... وأَجْزَرْنَ مَسْعُوداً ضِبَاعاً وأَذْؤُبَا
قال
عبد الله بن عنمة الضبي
أَشَتَّ بِلَيْلَى هَجْرُها وبِعادُها ... بما قَدْ تُؤَاتِينا ويَنْفَعُ زَادُهَا
سَنَلْهُو بِلَيْلَى والنَّوَى غَيْرُ غَرْبةٍ ... تَضَمَّنَها منْ رَامَتَيْن جِمَادُهَا
ليَالِيَ لَيْلَي إِذْ هِيَ الهَمُّ والهَوَى ... يُرِيدُ الفُؤَادُ هَجرَها فَيُصَادُهَا
فلمّا رأَيتُ الدَّارَ قَفْراً سأَلْتُها ... فَعَيَّ علينا نُؤْيُها ورَمادُهَا
فلم يَبْقَ إِلاَّ دمْنَةٌ ومَنازِلٌ ... كما رُدَّ في خَطِّ الدَّوَاةِ مِدَادُهَا
إِذَا الحارِثُ الْحَرَّابُ عادَى قَبيلةً ... نَكاها ولم تَبْعُدْ عليه بِلاَدُهَا
سَمَوْتَ بِجُرْدٍ في الأَعِنَّةِ كالقَنَا ... وهُنَّ مَطايا ما يَحِلُّ فِصادُهَا
يُعَلِّقُ أَضْغاثَ الْحَشيشِ غُوَاتُها ... ويُسْقَى بِخِمْسٍ بَعْدَ عِشْرٍ مَرَادُهَا
يُطَرِّحْنَ سَخْلَ الخيلِ في كلِّ مَنْزِلٍ ... تَبَيَّنُ منهُ شُقْرُها ووِرادُهَا