ثُمَّ وَلَّى وجَنَابَانِ لَهُ ... من غُبَارٍ أَكْدَرِيٍّ واتَّدَعْ
فَتَرَاهُنَّ علَى مُهْلَتِهِ ... يخْتَلِينَ الأَرضَ والشَّاةُ يلَعْ
دَانيَاتٍ ما تَلَبَّسْنَ به ... وَاثِقَاتٍ بِدِماءٍ إِنْ رَجَعْ
يُرْهِبُ الشَّدَّ إِذَا أَرْهَقْنَهُ ... وإِذَا برَّزَ مِنهنَّ رَبَعْ
ساكِنُ القَفْرِ أَخُو دَوِّيَّةٍ ... فإِذَا ما آنَسَ الصَّوْتَ امَّصَعْ
كَتَبَ الرَّحمنُ، والحَمْدُ لهُ، ... سَعَةَ الأَخْلاَقِ فِينَا والضَّلَعْ
وإِباءَ لِلدَّنِيَّاتِ إِذَا ... أُعْطِيَ المَكْثُورُ ضَيْماً فكَنَعْ
وبِناءً لِلْمَعالِي، إِنَّما ... يَرْفَعُ اللهُ ومَنْ شاءَ وَضَعْ
نِعَمٌ لِلهِ فِينَا رَبَّهَا ... وصَنِيعُ اللهِ، واللهُ صَنَعْ
كَيْفَ باسْتِقْرِارِ حُرٍّ شاحِطٍ ... بِبِلاَدٍ ليسَ فيها مُتَّسعْ
لا يُرِيدُ الدَّهرَ عنها حِوَلاً ... جُرَعُ المَوْتِ، ولِلْمَوتِ جُرَعْ
رُبَّ مَن أَنْضَجْتُ غَيظاً قَلبَهُ ... قد تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لم يُطَعْ
ويَرَانِي كالشَّجَا في حَلْقِهِ ... عَسِراً مَخْرَجُهُ مَا يُنْتَزَعْ
مُزْبَدٌ يَخْطِرُ ما لم يَرَنِي ... فإِذَا أَسْمَعْتُهُ صَوْتِي انْقَمَعْ
قد كَفانِي اللهُ ما في نفسهِ ... ومتَى ما يَكْفِ شَيْئاً لا يُضَعْ
بئْسَ ما يَجْمَعُ أَنْ يَغْتَابَنِي ... مَطْعَمٌ وَخْمٌ ودَاءٌ يُدَّرَعْ
لم يَضِرْنِي غَيْرَ أَنْ يَحْسُدَنِي ... فهْو يَزْقُو مثلَ ما يَزْقُو الضُّوَعْ
ويُحَيِّينِي إِذَا لاَقَيْتُهُ ... وإِذَا يَخْلُو لهُ لَحْمِي رَتَعْ
مُسْتَسِرُّ الشَّنْءِ لو يَفْقِدُنِي ... لبَدَا منهُ ذُبابٌ فَنَبَعْ
ساءَ ما ظَنُّوا وقد أَبْلَيْتُهُمْ ... عند غايات المَدَى كَيْفَ أَقَعْ
صاحِبُ المِئْرَةِ لا يَسْأَمُها ... يُوقِدُ النَّارِ إِذَا الشَّرُّ سَطَعْ
أَصْقَعُ النَّاسِ بِرَجْمٍ صائِبٍ ... ليسَ بالطَّيْشِ ولا بالمُرْتَجَعْ
فارِغُ السَّوْطِ فما يَجْهَدُنِي ... ثَلِبٌ عَوْدٌ ولاَ شَخْتٌ ضَرَعْ
كيفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَ ما ... لاَحَ في الرَّأسِ بَيَاضٌ وصَلَعْ
وَرِثَ البِغْضَةَ عَنْ آبائِهِ ... حافِظُ العقْل لِمَا كان أَسْتَمَعْ
فَسَعَى مَسْعَاتُهُمْ فِي قَوْمِهِ ... ثمَّ لم يَظْفَرْ ولاَ عَجْزاً وَدَعْ
زَرَعَ الدَّاءَ ولم يُدْرِكْ بهِ ... تِرَةً فَاتتْ ولاَ وَهْياً رَقَعْ
مُقْعِياً يَرْدِي صَفَاةً لم تُرَمْ ... في ذُرَى أَعْيَطَ وَعْرِ المُطَّلَعْ
مَعْقِلٌ يَأْمَنُ مَنْ كانَ بهِ ... غَلَبَتْ مَنْ قَبْلَهُ أَن تُقْتَلَعْ
غَلَبَتْ عاداً ومَنْ بَعْدَهُمُ ... فأَبَتْ بَعْدُ فَليْسَتْ تُتَّضَعْ
لا يَرَاها النَّاسُ إِلاَّ فَوْقَهُمْ ... فَهْيَ تأتي كيْفَ شاءَتْ وتَدَعْ
وهوَ يَرْمِيها ولَنْ يَبْلُغَهَا ... رِعَةَ الجاهلِ يَرْضَى ما صَنَعْ
كَمِهَتْ عَيْناهُ حتَّى ابْيَضَّتَا ... فهُوَ يَلْحَي نفسَهُ لمَّا نَزَعْ
إِذْ رَأَى أَنْ لم يَضِرْها جَهْدُهُ ... ورَأَى خَلْقاءَ ما فيها طَمَعْ
تَعْضِبُ القَرْنَ إِذَا نَاطَحهَا ... وإِذَا صابَ بها المِرْدَى انْجَزَعْ