وأشهد أن قربك من زياد ... كقرب الفيل من ولد الأتان
وقال زياد: ما هجيت ببيت قط أشد علي من قول يزيد بن مفرغ الحميري:
فكرا ففي ذاك إن فكرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير
عاشت سمية ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريش في الجماهير
سبحان من ملك عباد بقدرته ... لا يدفع الناس محتوم المقادير
وكان ولد سمية ثلاثا: زياداً وأبا بكرة ونافعا. فكان زياد ينسب في قريش، وأبو بكرة في العرب، ونافع في الموالي. فقال فيهم يزيد بن مفرغ:
إن زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب
إن رجالاً ثلاثةً خلقوا ... من رحم أنثى محالفي النسب
ذا قرشي، فيما يقول، وذا ... مولىً وهذا ابن عمه عربي
وقال بعض العراقيين في أبي مسهر الكاتب:
حمار في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك بالمداد
وقال آخر في دعي:
لعينٌ يورث الأبناء لعناً ... ويلطخ كل ذي نسب صحيح
ولما طالت خصومة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ونصر بن حجاج عند معاوية في عبد الله بن حجاج، مولى خالد بن الوليد، أمر معاوية حاجبه أن يؤخر أمرهما حتى يحتفل مجلسه. فجلس معاوية وقد تلفع بمطرف خزٍ أخضر، وأمر بحجر فأدني منه، وألقى عليه طرف المطرف، ثم أذن لهما، وقد احتفل المجلس. فقال نصر بن حجاج: أخي وابن أبي، عهد إلي أنه منه. وقال عبد الرحمن: مولاي وابن عبد أبي وأمته، ولد على فراشه. قال معاوية: يا حرسي، خذ هذا الحجر - وكشف عنه - فادفعه إلى نصر بن حجاج. وقال: يا نصر، هذا مالك في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فقال نصر: أفلا أجريت هذا الحكم في زياد أمير المؤمنين؟ قال: ذاك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في الأرض أحمى من الأدعياء، لتستحق بذلك العروبية. قال الشاعر:
دعي واحدٌ أجدى عليهم ... من آلفي عالم مثل ابن داب
ككلب السوء يحرس جانبيه ... وليس عدوه غير الكلاب
وقال الأصمعي: استمشى رجل من الأدعياء، فدخل عليه رجل من أصحابه فوجد عنده شيحاً وقيصوماً، فقال له: ما هذا؟ فقال، ورفع صوته: الطبيعة تتوق إليه. يريد أن طبيعته من طباع العرب. فقال فيه الشاعر:
يشم الشيح والقيصو ... م كي يستوجب النسبا
وليس ضميره في الصد ... ر إلا التين والعنبا
وعن إسماعيل بن أحمد قال: رأيت على أبي سعيد الشاعر المخزومي كردوانياً مصبوغاً بتوريد، فقلت: أبا سعيد، هذا خز؟ قال: لا. ولكنه دعي على دعي. وكان أبو سعيد دعياً في بني مخزوم. وفيه قال الشاعر:
لم يته قط على النا ... س شريف يا أبا سعيد
فته ما شئت إذ كن ... ت بلا أب ولا جد
وإذ حظك في النس ... بة بين الحر والعبد
وإذ قاذفك المفح ... ش في أمن من الحد
وعن أحمد بن عبد العزيز قال: نزلت في دار رجل من بني عبد القيس بالبحرين، فقال لي: بلغني أنك خاطب؟ قلت: نعم. قال: فأنا أزوجك. قلت له: إني مولى. قال: اسكت وأنا أفعل. فقال أبو بجير فيهم:
أمن قلةً صرتم إلى أن قبلتم ... دعاوة زراع وآخر تاجر
وأصهب رومي وأسود فاحم ... وأبيض جعد من سراة الأحامر
شكولهم شتى وكل نسيبكم ... لقد جئتم في الناس إحدى المناكر
متى قال إني منكم فمصدق ... وإن كان زنجياً غليظ المشافر
أكلهم وافى النساء جدوده ... وكلهم أوفى بصدق المعاذر
وكلكم قد كان في أولية ... له نسبة معروفة في العشائر
على علمكم أن سوف ينكح فيكم ... فجدعاً ورغماً للأنوف الصواغر
فهلا أبيتم عفةً وتكرما ... وهلا وجلتم من مقالة شاعر
تعيبون أمراً ظاهراً في بناتكم ... وفخركم قد جاز كل المفاخر