وما يستوي المرآن، هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك
وتضعف عضده ويقصر سوطه ... وتقصر رجلاه فلا يتحرك
وأدركنه خالاته فنزعنه ... ألا إن عرق السوء لا بد يدرك
ثم أقبل عبد الملك على مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال: أتدري من يقول هذا؟ قال: لا أدري. قال: يقوله أخوك الشني. قال مسلمة: يا أمير المؤمنين. ما هكذا قال حاتم الطائي. قال عبد الملك: وماذا قال حاتم؟ فقال مسلمة: قال حاتم:
وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناهم بأسيافنا قسرا
فما زادها فينا السباء مذلةً ... ولا كلفت خبزاً ولا طبخت قدرا
ولكن خلطناها بخير نسائنا ... فجاءت بهم بيضاً وجوههم زهرا
وكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا
ويأخذ رايات الطعان بكفه ... فيوردها بيضا ويصدرها حمرا
أغر إذا غبر اللئام رأيته ... إذا سرى ليل الدجى قمراً بدراً
فقال عبد الملك كالمستحي:
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
قال الأصمعي: كانت بنو أمية لا تبايع لبني أمهات الأولاد، فكان الناس يرون أن ذلك لاستهانة بهم، ولم يكن لذلك، ولكن لما كانوا يرون أن زوال ملكهم على يد ابن أم ولد، فلما ولى الناقص ظن الناس أنه الذي يذهب ملك بني أمية على يديه، وكانت أمه بنت يزدجرد بن كسرى، فلم يلبث إلا سبعة أشهر حتى مات، ووثب مكانه مروان بن محمد، وأمه كردية، فكانت الرواية عليه. ولم يكن لعبد الملك بن مروان ابن أسد رأياً، ولا أذكى عقلاً، ولا أشجع قلباً، ولا أسمح نفساً، ولا أسخى كفاً من مسلمة، وإنما تركوه لهذا المعنى.
وكان يحيى بن أبي حفصة، أخو مروان بن أبي حفصة يهودياً، أسلم على يد عثمان بن عفان فكثر ماله، فتزوج خولة بنت مقاتل بن قيس بن عاصم ونقدها خمسين ألفاً. وفيه يقول القلاخ:
رأيت مقاتل الطلبات ... حلى نحور بناته كمر الموالي
فلا تفخر بقيس إن قيساً ... خريتم فوق أعظمه البوالي
وله فيه:
نبتت خولة قالت حين أنكحها ... لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما ... في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت سائسها ... برذنتها وبها التحجيل والغرر
فقال مقاتل يرد عليها:
وما تركت خمسون ألفاً لقائل ... عليك فلا تحفل مقالة لائم
فإن قلتم زوجت مولىً، فقد مضت ... به سنة قبلي، وحب الدراهم
ويقال إن غيره قال ذلك.
باب في الأدعياء
أول دعي كان في الإسلام واشتهر: زياد بن عبيد، دعي معاوية. وكان من قصته أنه وجهه بعض عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على العراق إلى عمر بفتح كان. فلما قدم وأخبر عمر بالفتح في أحسن بيان وأفصح لسان، قال له عمر: أتقدر على مثل هذا الكلام في جماعة الناس على المنبر؟ قال: نعم، وعلى أحسن منه، وأنا لك أهيب. فأمر عمر بالصلاة جامعةٌ، فاجتمع الناس. ثم قال لزياد: قم فاخطب، وقص على الناس ما فتح الله على إخوانهم المسلمين. ففعل وأحسن وجود. وعند أصل المنبر علي بن طالب، وأبو سفيان بن حرب. فقال أبو سفيان لعلي: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى؟ قال: نعم. قال: أما إنه ابن عمك! قال: فكيف ذلك؟ قال: أنا قذفته في رحم أمه سمية. قال: فما يمنعك أن تدعيه؟ قال: أخاف هذا الجالس على المنبر، يعني عمر، أن يفسد علي إهابي. فلما ولي معاوية استلحقه بهذا الحديث، وأقام له شهودا عليه. فلما شهد الشهود قام زياد على أعقابهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: هذا أمر لم أشهد أوله ولا علم لي بآخره، وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهد الشهود بما قد سمعتم، والحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ما ضيعوا، فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب مشكور. ثم جلس.
فقال فيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فقد ضاقت بما يأتي اليدان
أتغضب أن يقال أبوك عفٌ ... وترضى أن يقال أبوك زان