خرجت بها من بطن مكة بعدما ... أصات المنادي للصلاة فأعلما
فاندفعتا تغنيانه. فقال في نفسه: لم يفهما والله عني، أظنهما شاميتين وأهل الشام يسمونها المذاهب. فقال لهما: يا حبيبتي، أين المذاهب؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قال: يقول غنياني:
ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب
فغنتاه الصوت. فقال في نفسه: لم يفهما عني، وما أظنهما إلا مدنيتين، وأهل المدينة يسمونها بيت الخلاء، فقال لهما: يا حبيبتي، أين بيت الخلاء؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني:
خلي علي جوى الأشواق إذ ظعنا ... من بطن مكة والتسهيد والحزنا
قال: فغنتاه. فقال: إنا لله وإن إليه راجعون، وما أحسب الفاسقتين إلا بصريتين، وأهل البصرة يسمونها الحشوش، فقال لهما: أين الحش؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت يسأل أن نغنيه:
أوحش الحشان فالربع منها ... فمناها فالمنزل المعمور
فاندفعتا تغنيانه. فقال: ما أراهما إلا كوفيتين، وأهل الكوفة يسمونها الكنف. قال: يا حبيبتي، أين الكنيف؟ قالت إحداهما لصاحبتها: يعيش سيدنا هل رأيت أكثر اقتراحاً من هذا الرجل! ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني:
تكنفني الهوى طفلا ... فشيبني وما اكتهلا
قال: فغلبه بطنه وعلم أنهما تولعان به، والهاشمي يتقطع ضحكاً، فقال لهما: كذبتما يا زانيتان، ولكني أعلمكما ما هو، فرفع ثيابه فسلح عليهما، وانتبه الهاشمي: فقال له: سبحان لله! أتسلح على وطائي! قال: والذي خرج من بطني أعز علي من وطائك، إن هاتين الزانيتين إنما حسبتا أني أسأل عن الحش للضراط، فأعلمتهما ما هو.
قولهم في العود
قال يزيد بن عبد الملك يوماً وذكر عنده البربط فقال: ليت شعري ما هو؟ فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنا أخبرك ما هو، محدودب الظهر، أرسح البطن، له أربعة أوتار، إذا حركت لم يسمعها أحد إلا حراك أعطافه وهز رأسه.
مر إسحاق بن إبراهيم الموصلي برجل ينحت عودا فقال له: لمن ترهف هذا السيف؟ وقال بعض الكتاب في العود:
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الكلام كما ... يبدي ضمير سواه منطق القلم
ومن قولنا في هذا المعنى:
يا مجلساً أينعت منه أزاهره ... ينسيك أوله في الحسن آخره
لم يدر هل بات فيه ناعماً جذلا ... أو بات في جنة الفردوس سامره
والعود يخفق مثناه ومثلثه ... والصبح قد غردت فيه عصافره
وللحجارة أهزاج إذا نطقت ... أجابها من طيور البر ناقره
وحن من بينها الكثبان عن نغم ... تبدي عن الصب ما تخفي ضمائره
كأنما العود فيما بيننا ملك ... يمشي الهوينى وتتلوه عساكره
كأنه إذا تمطى وهي تتبعه ... كسرى بن هرمز تقفوه أساوره
ذاك المصون الذي لو كان مبتذلا ... ما كان يكسر بيت الشعر كاسره
صوت رشيق وضرب لو يراجعه ... سجع القريض إذا ضلت أساطره
لو كان زرياب حياً ثم أسمعه ... لمات من حسد إذ لا يناظره
وقال الحمدوني فيه:
وسجعت رجع عودٍ بين أربعة ... سر الضمائر فيما بينها علن
فولدت للندامى بين نغمتها ... وكفها فرحاً تفصيله حزن
فما تلعثم عنها لفظ مزهرها ... ولا تحير في ألحانها لحن
تهدي إلى كل جزء من طبائعها ... بنانها نغماً أثمارها فتن
وترتعي العين منها روض وجنتها ... طوراً وتسرح في ألفاظها الأذن
وقال عكاشة بن الحصين:
من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرفت عنابا
وكأن يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشمال حسابا
ومن قولنا في العود:
يا رب صوتٍ يصوغه عصبٌ ... نيطت بساق من فوقها قدم
جوفاء مضمومة أصابعها ... في ساكنات تحريكها نغم
أربعة جزئت لأربعة ... أجزاؤها بالنفوس تلتحم