فقال له المفضل: فأخبرني يا أمير المؤمنين عن بيت أوله أكثمُ بن صَيفيّ في إصابة الرأي، وآخره بُقراط الطبيب في معرفته بالداء والدواء؟ قال له هارون: ما هو؟ قال: هو بيتُ الحسن بن هانئ حيث يقول:
دع عنكَ لَومي فإنّ اللومَ إغراء ... وداوني بالَّتي كانت هي الدواء
قال: صدقت. وقال الرَّبيع: خرجنا مع المنصور مُنصَرفنا من الحَجّ، فنزلنا الرَّضمة، ثم راح المنصور ورُحنا معه في يوم شديد الحَرّ، وقد قابلْته الشمس، وعليه جُبة وَشيْ. فالتفت إلينا، وقال: إنّي أقول بيتاً من الشعر، فمَن أجازه منكم فله جُبتي هذه قلنا: يقول أمير المؤمنين. فقال:
وهاجرة نصبت لها جَبيني ... يُقطِّع حرُّها ظَهرَ العِظَايه
فبَدره بشّار الأعمى فقال:
وقفتُ بها القلوصَ ففاض دَمعي ... على خَدِّي وأَسعد واعظَايه
فخرج له من الجُبة. فلقيته بعد ذلك، فقلت له: ما فعلتَ بالجُبة؟ قال: بعتُها بأربعة آلاف درهم. خرج رسول عائشة بنت المَهديّ، وكانت شاعرةً، إلى الشعراء وفيهم صرَيع الغواني، فقال: تُقرئكم سيدتي السلامَ وتقول لكم: من أجاز هذا البيتَ فله مائة دينار. فقالوا: هاته. فأنشدهم:
أنيلي نَوَلاً وجُودي لنَا ... فقد بلغتْ نَفسيَ التَرْقوه
فقالِ صَريع:
وإني كالدلْو في حُبكم ... هَوِيتُ إذا انقطعتْ عَرْقوه
قال الحسن: صدقتَ. ثم أقبل إليه رجلٌ آخر، فقال: يا أبا سَعيد، ما تقول في الرجلِ يشك في الشَّخص يبدو له فيقول: والله هذا فلان، ثم لا يكون هو، ما ترى في يمينه؟ فقال الفرزدق: وقد قلتَ أنا في مثل هذا. قال: الحسن، وما قلت؟ قال: قلت:
ولستَ بمأخوذ بقَول تقولُه ... إذا لم تُعِنْه عاقداتُ العزائِم
قال الحسن: صدقتَ. فأخذ المائة الدِّينار.
وكان الفرزدق يجلس إلى الحَسن البَصريّ، وجرير يجلس إلى ابن سِيرين، لتباعد ما بين الرَّجلين، وكان موتُهما في عام واحد، وذلك سنة عشر ومائة. فبينما الفرزدق جالس عند الحَسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سَعيد: إنّا نكون في هذه البُعوث والسرَّ أيا فنُصيب المرأة من العدوّ وهي ذاتُ زَوْج، أفتحلّ لنا من غير أن يُطلّقها زوجُها؟ قالت الفرزدق: قد قلتُ أنا في مثل هذا في شعري. قال له الحسن: وما قلت؟ قال: قلتُ:
وذات حَلِيل أَنكحْتها رماحُنا ... حَلالاً لمن يبني بها لم تُطلَقِ
واستعدت امرأةٌ على زَوجها عبّادَ بن منصور وزعمت أنه لا يُنفق عليها.
فقال لرؤبة: احكُم بينهما. فقال:
فطَلّق إذا ما كنتَ لستَ بمُنفقٍ ... فما الناسُ إلا مُنفِقٌ أو مطلق
وكان رجل يدَّعي الشعرَ ويستبرده قومُه، فقال لهم: إنما تَستبردونني من طريق الحَسد. قالوا: فبيننا وبينك بشّار العقيلي. فارتفعوا إليه. فقال له: أنشدني. فأنشده فلما فرغ، قال له بشّار: إني لأظنك من أهل بيت النُّبوة؟ قال له: وما ذلك؟ قال: إن الله تعالى يقول: وَما علّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي له فضحك القومُ وخَرجوا عنه. وقال أبو دُلف:
أنا أبو دُلف المُبدِي بقافية ... جوابُها يهلك الداهي من الغَيظِ
مَن زاد فيها له رَحْلي وراحلتي ... وخاتمي والمَدَى فيها إلى القَيظ
فأجابه ابنُ عبد ربّه.
قد زدتُ فيها وإن أَضحى أبو دُلف ... والنفسُ قد أَشرفت منه على الفَيظِ
سَمر الفرزدقُ والأخطلُ وجرير عند سليمان بن عبد الملك ليلةً، فبينما هم حوله إذ خفَق. فقالوا: نَعس أمير المؤمنين، وهمّوا بالقيام. فقال لهم سليمان: لا تقوموا حتى تقولوا في هذا شعراً. فقال الأخطل:
رَماه الكَرى في رأسه فكأنّه ... صَرِيع تَروَّى بين أصحابه خَمْرا
فقال له: ويحك! سكران جعلتَني ثم قال جرير بن الخَطَفي:
رماه الكَرى في رأسه فكأنما ... يرى في سواد الليل قُنبرةً حَمْرا
فقال له: ويحك! أجعلتَني أَعمى. ثم قال الفرزدق بعد هذا:
رماه الكَرى في رأسه فكأنما ... أَمِيمُ جَلاميدٍ تَركْن به وَقرا
قال له: ويحك! جعلتني مَشْجوجاً. ثم أذن لهم فانقلبوا، فحيّاهم وأعطاهم.