مَن يفعل الخير لا يَعْدَم جَوازيه ... لا يذْهبُ العُرف بين الله والناس
قال: إنه في التّوْراة حَرْفاً بحَرف: يقول اللّه تعالى: " مَن يفعل الخير يَجدْه عندي، لا يذهب الخيرُ بيني وبينَ عبدي " .
وقال عبد الله بن عبّاس: أنشدت النبيّ صلى الله عليه وسلم أبياتاً لأًمية بن أبي الصَّلت يذكر فيها حَملة العرش، وهي:
رَجُلٌ وثَورٌ تحتَ رِجْل يَمينه ... والنّسرِ للأخرى وليثٌ مُرْصَدُ
والشمسُ تَطْلُع كُل آخر ليلةٍ ... فجراً ويُصبح لونُها يتوقد
تبدو فما تبدو لهم في وَقْتها ... إلا مُعذِّبة وإلا تُجْلَد
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم كالمُصدِّق له.
ومن حديث ابن أبي شَيْبة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أردف الشريد، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: تَرْوي من شِعر أُمية بن أبي الصَّلت شيئاً؟ قلتُ: نعم. قالت: فأنشِدني. فأنشدته. فجعل يقول بين كل قافيتين: هيه، حتى أنشدتُه مائة قافية. فقال: هذا رجل آمن لسانه وكَفر قلبُه.
ولو لم يكن من فضائل الشعر إلا أنه أعظم جُند يجنّده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المُشركين، يدُل على ذلك قولُه لحَسان: شُنَ الغَطاريف على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشدُّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام: وتَحفظْ ببَيْتي فيهم. قال: والذي بعثك بالحقّ نبيَّاً لأسُلّنّك منهم سَلّ الشّعرة من العجين. ثم أخرج لسانه فضرب به أَرنبة أَنفه، وقال: والله يا رسولَ الله إنه ليخيّل لي أنّي لو وضعته على حَجر لفَلقه، أو على شَعَر لحَلقه. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيد الله حسّاناً في هَجْوه برُوح القُدس. وقال ابن سيرين: بلغني أنّ دَوْساً إنما أسلمتْ فَرقاً من كعب بن مالك صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
قَضينا من تِهامة كُلّ نحب ... وخَيْبر ثم أَغْمدنا السيوفَا
نُخبِّرها ولو نَطقت لقالت ... قواضبُهنَّ دَوْساً أو ثَقِيفاً
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت لقد شكر الله لك قولَك حيثُ تقول:
زعمتْ سَخينةُ أنْ ستغلب رَبَّها ... ولَيُغْلبنّ مُغالب الغَلاّبِ
ولو لم يكن من فضائل الشّعر إلا أنّه أعظمُ الوسائل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك أنه قال لعبد الله بن رَواحة: أَخْبرني ما الشعرُ يا عبد الله؟ قال: شيء يَختلج في صَدْري فيَنطق بهِ لساني. قال: فأَنْشِدني فأَنشده شعره الذي يقول فيه:
فثبَّت الله ما آتاك مِنْ حَسَنِ ... فَفَوْتَ عيسى بإذْن الله والقَدَرِ
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: وإياك ثَبَّت الله، وإياك ثَبت الله ومِن ذلك ما رواه ابنُ إسحاق صاحب المَغازي وابنُ هشام. قال ابن إسحاق: لما نزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصفراء - قال ابنُ هشام: الاثيلِ - أمر عليَّاً فضرَب عنق النَضر بن الحارث بن كَلدة بن عَلْقمة بن عبد مناف، صبراً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت أُختُه قُتيلة بنت الحارث ترثيه:
يا راكباً إنّ الأثيل مَظنّة ... من صُبحِ خامسة وأنت مُوفقُ
أَبْلِغ بها مَيْتاً بأنَّ تحيةً ... ما إن تزال بها النجائبُ تخفق
مني عليك وعَبرة مَسْفوحة ... جادت بواكِفها وأًخرى تَخنُق
هل يَسمعني النضرُ إن ناديتُه ... أم كيف يَسمع مَيت لا ينطق
أمحمد يا خيرَ ضِنْء كَريمة ... في قَومنها والفحلُ فحلٌ مُعرق
ما كان ضرك لو مَننت وربما ... مَنّ الفتى وهو المَغيظ المُحنق
فالنضر أقربُ من أَسرت قرابةً ... وأحقُّهم إن كان عِتْق يُعتق
ظَلّت سيوفُ بني أبيه تَنوشه ... للهّ أرحام هناك تمزق
صبراً يُقاد إلى المنيّة مُتعباً ... رَسْفَ المُقيّد وهو عانٍ مُوثَق
قال ابن هشام: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، لمّا بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبلَ قتله ما قتلْتهُ.