وقال الحجَّاج للمُساور بن هند: ما لك تقول الشعرَ وقد بلغتَ من العُمر ما بلغتَ؟ قال. أرعى به الكلأ، وأشرب به الماء، وتقضي لي به الحاجة، فإن كفيتَني ذلك تركتهُ. وقال عبدُ الملك بن مروان لمؤدِّب ولده: روَهم الشِّعر يَمْجدوا ويَنْجدوا. وقالت عائشة: روُّوا أولادَكم الشعرَ تعذُب ألسنتهم. وبعث زياد بولده إلى معاوية، فكاشفه عن فنون منِ العِلم، فوجده عالماً بكل ما سأله عنه. ثم أستنشده الشعر، فقال: لم أَرْوِ منه شيئاً. فكتب معاويةُ إلى زياد: ما منَعك أن تُرَوِّيه الشعر؟ فوالله إن كان العاقّ لَيَرْويه فَيبرّ، وإن كان البخيل لَيَرْويه فيسخُو، وإن كان الجبان لَيَرْويه فيقاتل.
وكان علي رضي الله عنه إذا أراد المُبارزة في الحرب أنشأ يقول:
أيّ يوميّ من المَوتِ أفرّ ... يومَ لا يُقدر أم يوم قَدِرْ
يومَ لا يُقدر لا أَرْهَبه ... ومِن المَقدور لا يَنجو الحَذِر
وقال المقداد بن الأسود: ما كنتُ أعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بشِعر ولا فَريضة من عائشة رضي الله عنها. وفي رواية الخُشَنِيّ عن أبي عاصمٍ عن عبد الله بن لاحق عن ابن أبي مُليكة قال: قالت عائشة: رحم الله لَبيداً كان يقول:
قَضِّ اللُبانةَ لا أبالك وأذهبِ ... والحق بأسرتك الكِرام الغُيَّبِ
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلف كجِلْدِ الأجرب
فكيف لو أدرك زَماننا هذا! ثم قالت: إني لأروي ألفَ بيت له، وإنه أقلُّ ما أروي لغيره.
وقال الشَعبيّ: ما أنا لشيء من العِلم أقلّ مني روايةً للشِّعر، ولو شئتُ أن أنشد شعراً شهراً لا أعيد بيتاً لفعلت. وسمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم عائشة وهي تُنشد شعر زُهير بن جَناب:
أرفَعْ ضعيفَك لا يَحُر بك ضعْفهُ ... يوماً فتُدركَه عواقبُ ما جَنَى
يَجزيك أو يثني عليك فإنّ مَن ... أثنى عليك بما فعلتَ كمن جَزَى
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: صدق يا عائشة، لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس.
يزيد بن عمرو بنِ مسلم الخُزاعي، عن أبيه عن جَدّه قال: دخلتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم ومُنشد يُنشده قول سُويد بن عامر المصطلق:
لا تأمنَن وإن أمسيتَ في حَرَمٍ ... إنَّ المَنايا بجَنْبي كُل إِنْسانِ
فاسلُك طريقَك تَمْشي غير مُخْتَشع ... حتى تلاقِي الذي مَنَّى لك الماني
فكل ذي صاحب يوماً مُفارقهُ ... وكُلّ زادٍ وإنّ أبقيته فاني
والخيرُ والشرُّ مَقْرونان في قَرَن ... بكُل ذلك يأتيك الجَدِيدان
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لو أَدرك هذا الإسلام لأسلم.
أبو حاتم، عن الأصمعي قال: جاء رجُل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك يا رسول اللّه؟ قال: نعم. فأنشده:
تركتُ القِيان وَعزْف القِيان ... وأدمنتُ تَصليةً وابتهالا
وكَرِّي المُشقَّر في حَوْمة ... وشَنِّي على المُشْركين القِتالا
فيا ربّ لا أغبننْ صفقتيَ ... فقد بِعْت مالي وأهلي بدالا
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: رَبح البَيع، ربح البيع. قدم أبو ليلى النابغة الجَعديّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانشده شعرَه الذي يقول فيه:
بَلَغنا السماءَ مجدنا وسناؤنا ... وإِنا لَنرجو فوق ذلك مَظْهَرَا
فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنة يا رسول الله بك.
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إلى الجنة إن شاء اللّه: فلما انتهى إلى قوله:
ولا خير في حِلم إذا لم تَكُن له ... بوادرُ تَحْمِي صَفْوه أن يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهل إن لم يكُن له ... حَلِيم إذا ما أورد الأمرُ اصدرَا
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا يفْضض الله فاك. فعاش مائةً وثلاثين سنة لم تَنْغُض له ثنية.
سفيان الثّوري عن لَيث عن طاووس عن ابن عباس قال: إنها لكَلمة نبيّ.
يَعني قولَ طرفة:
ستُبدي لك الأيامً ما كنت جاهلاً ... وَيأتيك بالأحبار مَن لم تُزودِ
وسمع كعب قولَ الحُطيئة: