فلما دخلنا عليه قال: يَغفر الله لك أبا حمزة، عَجِلْت باللائمة وأغضبتَ علينا أميرَ المؤمنين، ثم أخذ بيده فأَجلسه معه على السرير. فقال أنس: إنك كنتَ تزعم أنّا الأشرار، والله سمّانا الأنصار. وقلتَ: إنّا من أبخل الناس، ونحن الذين قال الله فيهم: " ويُؤْثِرون على أنْفًسهمِ ولو كانَ بهم خَصَاصة " . وزعمتَ أنا أهلُ نِفاق والله تعالى يقول فينا: " والّذين تبوَّءوا الدارَ والإيمان مِن قبلهم يُحبّون مَن هاجَر إليهم ولا يَجدُون في صُدورهمْ حاجةً مما أوتُوا " . فكان المَفْزع والمُشتكى في ذلك إلى الله وإلىَ أمير المؤمنين، فتولّى من ذلك ما ولاهّ الله، وعرف من حقِّنا ما جَهلتَ، وحَفظ منّا ما ضيعتَ، وسَيحكم في ذلك رب هو أرضى للمُرضي، وأسخطُ للمُسخط، وأقدرُ على المُغير، في يوم لا يشوب الحق عنده الباطلُ، ولا النورَ الظلمةُ، ولا الهدى الضلالةُ. والله لوِ أنّ اليهود أو النّصارى رأت مَن خدَم موسى بن عمران أو عيسى بن مريم يوماً واحداً لرأت له ما لم تَرَوا لي في خدمة رسول الله عَشرَ سنين. قال فاعتذر إليه الحجاحُ وترضاه حتى قَبل عُذره ورضي عنه، وكتب برضاه عنه وقبوله عُذرَه. ولم يزل الحجاحُ له مُعظماً هائباً له حتى أنسٌ رضي الله عنه. وكتب الحجاحُ إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان: بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد. أصلحَ الله أميرَ المؤمنين وأبقاه، وسهّل حظه وحاطه ولا أعدمنا إياه فإن إسماعيل بن أبي المُهاجر رسول أمير المؤمنين - أعزّ الله نَصره - قَدِم عليّ بكتاب أمير المُؤمنين - أطال الله بقاءه، وجعلني من كل مكروه فداءَه - يذكر شتيمتي وتَوْبيخي بآبائي، وتَغييري بما كان قبلَ نزول النَعمة بي من عند أمير المؤمنين، أتم الله نعمَته عليه وإحسانه إليه. ويذكر أميرُ المؤمنين، جعلني الله فداه، استطالةً منّي علىِ أنس بن مالك خادِم رسول الله صلى الله عليه و سلم، جراءةً مني على أمير المؤمنين وغِرّة بمعرفةِ غِيره ونقَماته وسَطواته على مَن خالف سبيلَه، وعَمد إلى غير محبته، ونزل عند سَخْطته. وأميرُ المؤمنين، أصلحه الله، في قَرابته من محمد رسول الله - إمام الهدى وخاتَم الأنبياء أحق من أقال عَثْرتي وعَفا عن ذَنبي، فأمهلني ولم يُعجلني عند هَفوتي، للذي جُبل عليه من كريم طبائعه، وما قلّده الله من أمور عباده، فرِأيُ أمير المؤمنين، أصلحه الله في تَسْكِين رَوْعتي، وإفراج كربتي، فقد مُلئت رُعباً وفرقاً من سَطْوته وفُجاءةِ نقْمته وأميرُ المؤمنين - أقاله الله العثراتِ، وتجاوز له عن السيآت، وضاعفت له الحسنات، وأعلى له الدَّرجات. أحقّ من صَفح وعفا، وتَغَمّد وأبقى، ولم يُشمت بي عدوًّا مُكبّا، ولا حسودا مُضبّا، ولم يجرِّعني غُصصا. والذي وَصف أميرُ المؤمنين من صنيعه إليّ وتَنويهه بي بما أسند إليِّ من عمله وأوطأني من رِقاب رعيته، فصادقٌ فيه مجزيّ بالشكر عليه والتوسّلُ مني إليه بالولاية، والتقرّبُ له بالكفاية. وقد عاين إسماعيلُ بن أبي المُهاجر، رسولُ أمير المؤمنين وحاملُ كتابه، نزولي عند مسرّة أنس بن مالك، وخُضوعي لكتاب أمير المؤمنين، وإقلاقَه إياي، ودُخولَه علي بالمصيبة، على ما سيعلمه أميرُ المؤمنين ويُنهيه إليه. فإن رأى أميرُ المؤمنين - طوّقني الله شُكره وأعانني على تأدية حقّه وبَلَّغني إلى ما فيه مُوافقة مَرْضاته ومدَ لي في أجله - أمر لي بكتاب مِن رضاه وسلامة صَدْره، يُؤمِّنني به من سَفك دَمي ويَرُدّ ما شَرَد من نومي ويَطمئن به قلبي، فقد وَرد عليّ أمرٌ جَليل خَطْبُه، عظيم أمرُه، شديد عليّ كربُه. أسأل الله أن لا يُسخط أميرَ المُؤمنين عَلَيّ، وأن يَبْتلِيَه في حَزمه وعَزمه، وسياسته وفِراسته ومواليه وحَشمه، وعُماله وصنائعه، بما يُحمَد به حُسنُ رأيه، وبُعْدُ هِمَّته؟ إنه وليّ أمير المؤمنين، والذابّ عن سلطانه، والصانع له في أمره، والسلام.
فحدّث إسماعيلُ أنه لما قرأ أميرُ المؤمنين الكتابَ قال: يا كاتب، أفرخ رُوع أبي محمد. فكتب إليه بالرضا عنه.