FluentPlex

The Unique Necklace

أخبار الحجاج

Original text Public domain

Read with the dictionary

ودعا عبدُ الملك مولى يقال له نُباتة، له لسان وفَضْل رأي، فناوله الكتابَ، ثم قال له: يا نُباتة، العَجلَ ثم العجلَ حتى تأتَي العراق، فضَع هذا الكتاب في يد الحجاج وترقّب ما يكون منه، فإن اجبَل عند قراءته واستيعاب ما فيه، فاقْلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتي به، وهَدِّن الناسَ حتى يأتيهم أمري، بما تَصفني به في حين انقلاعك، من حُبِّي لهم السلامة. وإن هَشَّ للجواب ولم تَكْتنفه أربة الحَيرة، فخُذ منه ما يُجيب به وأفْرِزه على عمله، ثم اعجَل عليّ بجوابه. قال نُباتة: فخرجتُ قاصداً إلى العراق، فضمّتني الصّحارى والفيافي، واحتواني القُرّ، وأخذ مِنّي السفرُ حتى وصلتُ. فلما وردتُه أدخلت عليه في يوم ما يَحْضُره فيه المَلأ، وعليّ شحوبُ مُضْنَى، وقد توسّط خدمَه من نواحي، وتدثّر بِمطْرَف خَزّ أدكن، ولاثَ به الناسُ من بني قائمٍ وقاعد. فلما نظر إليَّ، وكان لي عارفاً، قعد، ثم تبسّم تبسّم الوَجِل، ثم قال: أهلاً بك يا نُباتة، أهلا بمولى أمير المُؤمنين، لقد أثرّ فيك سفرُك، وأعرف أميرَ المؤمنين بك ضنيناً، فليتَ شعرِي، ما دَهِمَك أو دَهِمَني عنده. قال: فسلّمتُ وقعدتً. فسأل: ما حالُ أميرِ المُؤمنين وخوَله؟ فلما هَدأ أخرجت له الكتاب فناولتُه إياه. فأخذه منّي مُسرعاً ويدُه تُرْعَد، ثم نظر في وُجوه الناس فما شعرتُ إلا وأنا معه ليس معنا ثالث، وصار كُلُّ من يُطيف به من خَدمه تَلْقاه جانباً لا يسمعون منّا الصوت. ففكّ الكتابَ فقرأه، وجعلَ يتثاءب وُيردد تثاؤبه ويسير العرقُ على جَبينه وصُدْغيه على شدّة البرد من تحت قَلَنْسوته، من شدّة الفَرق، وعلى رأسه عِمامةُ خزّ خضراء، وجعل يَشخص إليّ ببصر ساعةً كالمتوهِّم، ثم يعود إلى قراءة الكتابَ، ويُلاحظني النظرِ كالمُتفهم، إلا أنه واجم، ثم يعاود الكتابَ، وإنّي لأقول: ما أراه يُثبت حروفه من شدّة اضطراب يده، حتى استقصى قراءته. ثم مالت يدُه حتى وقع الكتابُ على الفراش، ورَجع إليه ذهنُه، فمسح العرق عن جَبينه، ثم قال متمثّلا:

وإذا المنيَّةُ أنشبت أظفارَها ... ألفيتَ كُلّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ

ثم قال: قَبُح والله منّا الحسنُ يا نُباتة، وتَواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن.

وما هذا إلا سانح فكْرة نَمَّقها مُرصِد يَكْلَب بقِصَّتنا، مع حُسن رأي أمير المؤمنين فينا. يا غلام. فتبادر الغِلمان الصَّيحةَ، فملئ علينا منهم المجلس حتى دَفأتني منهم الأنفاس. قال: الدّواةَ والقرطاس، . فأتي بالدواة والقرطاس، فكتب بيده: وما رَفع القلم إلا مُستمدّاً حتى سَطَّر مثل خدِّ الفرس. فلما فَرغِ قال لي: يا نُباتة، هل علمتَ ما جئت به فنُسمعك ما كتبنا؟ فقلت: لا. قال: إذا حَسْبك منَّا مثلُه. ثم ناولني الجوابَ وأمر لي بجائزة فأجزل، وجَرد لي كِساء، ودَعا لي بطَعام فأكَلتُ، ثم قال نَكِلك إلى ما أمرت به من عَجلة أو تَوانٍ، وإنّي لأحب مُقارنتك والأنس برُؤيتك. فقلتُ: كان معي قُفْلٌ مفتاحُه عندك، وفمتاح قُفلك عندي، فأُحدثت لك العافية بأمرين: فأقفلتَ المَكروه وفتحت العافية، وما ساءني ذلك، وما أحب أن أزيدك بياناً، وحسبُك من استعجالي القيام. ثمٍ نهضتُ، وقام مُودِّعاً لي فالتزمني، وقال: بأبي أنت وأمي، رُبّ لَفظة مَسْموعة، ومحتقر نافعِ، فكُن كما أظُن. فخرجتُ مُستقبلاً وَجهي حتى وردتُ أميرَ المؤمنين، فوجدتُه مُنصرفاً من صلاة العصر، فلما رآني قال: ما احتواك المضجَع يا نُباتة! قفلتُ: مَن خاف من وجه الصَّباح أدْلج، فسلّمت وانتبذتُ عنه. فتركني حتى سَكن جأشي ثم قال: مَهْيم؟ فدفعتُ إليه الكتاب، فقرأه مُتبسّماً، فلمّا مَضى فيه ضَحك حتى بدت له سِنٌّ سوداء، ثم استقصاه فانصرف إليّ، فقال: كيف رأيتَ إشفاقَه؟ قال: فقصصتُ عليه ما رأيتُ منه فقال: صلواتُ الله على الصادق الأمين " إنّ من البيان لسحراً " ثم قَذف الكتاب إليّ، فقال: اقرأ، فقرأتُه فإذا فيه:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account