FluentPlex

The Unique Necklace

والطالبين والبرامكة

Original text Public domain

Read with the dictionary

ووجه عاملٌ من عُمّال عمرَ بن الخطّاب زياداً إلى عمرَ بفَتح فَتحه الله على المسلمين. فأمره عمرُ أن يَخطب الناسَ به على المنبر. فاحسن في خطبته وجَوّد، وعند أصل المِنبر أبو سفيان بن حَرْب وعليّ بن أبي طالب. فقال أبو سفيان لعليِّ: أيُعجبك ما سمعتَ من هذا الفتى؟ قال: نعم. قال: أما إنه ابنُ عمّك. قال: وكيف ذلك؟ قال: أنا قذفتُه في رَحم أمه سُميَّة. قال: فما يَمنعك أن تدعِيهِ؟ قال: أخشى هذا القاعدَ على المِنبر - يعني عُمَر بن الخطاب - أن يُفسد عليّ إهابي. فبهذا الخبر استلحق معاويةً زياداً وشَهد له الشُّهود بذلك. وهذا خلافٌ حُكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: الولدُ للفراش وللعاهر الحَجَر.

اَلْعَتَبَي عن أبيه قال: لما شَهِد الشهود لزياد قام في أَعْقَابهمْ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: هذا أمرٌ لم أشهد أولَه ولا عِلْم لي بآخره، وقد قال أميرُ المؤمنين ما بَلغكم، وشهد الشهودُ بما سَمعتم. فالحمدَ للّه الذي رفع منا ما وضع الناس، وحَفظ منّا ما ضَيّعوا. وأما عُبيد فإنما هو والدٌ مَبْرور، أو رَبِيب مَشْكور. ثم جلس. وقال زياد: ما هُجيت ببيت قطّ أشدَّ عليَّ من قول الشاعر:

فكَّر ففي ذاك إن فَكَّرتَ مُعْتَبر ... هل نِلتَ مَكرُمةً إلا بِتَأْمِير

عاشتْ سُميَّة ما عاشت وما عَلِمتْ ... أنّ ابنَها من قريش في الجَماهير

سُبحان مَن مُلْك عباد بقُدرته ... لا يَدفع الناسُ أسبابَ المقادير

وكان زياد عاملاً لعليّ بن أبي طالب على فارس: فلما مات عليّ رضي الله عنه، وبايع الحسنُ معاويةَ عامَ الجماعة، بقي زيادٌ بفارس وقد مَلكها وضَبط قَلاعها، فاغتمّ به معاوية، فأرسل إلى المُغيرة بنُ شعبة. فلما دخل عليه قال: لكُل نبأ مُستقر، ولكُل سر مسَتودِع، وأنت موضعُ سري وغاية ثِقَتي. فقال: المغيرة: يا أمير المؤمنين، إنْ تستودعني سرك تستودعه نَاصِحاً شَفيقاً، ووَرِعا رفيقاً، فلا ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرتُ زياداً واعتصامَه بأرض فارس ومُقامه بها، وهو داهية العرَب، ومعه الأحوالُ، وقد تحصّن بأرض فارس وقِلاعها يُدبّر الأمور، فما يُؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو أعاد جَذَعه. قال له المُغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ قال: نعم. فخرَج إليه. فلما دخل عليه وجده وهو قاعد في بيت له مُستقبلٌ الشمسَ. فقام إليه زياد ورحِّب به سرُّ بقدومه، وكان له صديقاً - وذلك أنّ زياداً كان أحدَ الشُهود الأربعة الذين شَهدوا على المُغيرة، وهو الذي تَلجج في شهادته عند عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه، فنجا المغيرة وجُلد الثلاثةُ من الشهود، وفيهم أبو بكرة أخو زياد، فحلف أن لا يكلمٍ زياداً أبداً - فلَما تَفاوضا في الحديث قال له المغيرة: أعلمتَ أنّ معاوية استخف الوجل حتى بعثتي إليك، ولا نَعلم أحداً يَمد يَده إلى هذا الأمر غيرَ الحسن، وقد بايع معاويةَ فخُذ لنفسك قبل التَوطين فيَستغني عنك معاوية. قال: أشر عليّ وارم الغرضَ الأقصى، فإنّ المُستشار مُؤتَمن. قال: أرى أن تَصل حبلَك بحَبْله وتسيرَ إلَيه وتعير الناسَ أذناً صماء، وعَينْاً عمياء. قال يا بن شُعبة، لقد قلتَ قولاً لا يكون غَرْسُه في غير منبته، ولا مَدَرة تغذية، ولا ماء يَسْقيه، قال زهير:

وهل يُنْبت التخطيء إلا وشيجُه ... وتُغْرس إلا في مَنابتها النخلُ

ثمِ قال: أرى ويقضي اللّه. وذكر عمر بن عبد العزيز زِيَاداً فقال: سَعي لأهل العِراق سَعْيَ الأم البرّة وجَمع لهم جَمْعَ الذَّرة. وقال غيره: تَشبَّه زيادٌ بعمرَ فأفرط، وتشبه الحجّاج بزياد فأَهلك الناس. وقالوا: الدُّهاة أربعة: معاوية للرويّة، وعمرو بن اَلْعاصّ للبَديهة، والمُغيرة للمعضلات، وزياد لكُل صَغيرة وكبيرة.

ولما قَدم زيادٌ العراق قال: مَن على حَرَسكم؟ قالوا: بَلَج. قال: إنما يُحترس من مثل بَلَج، فكيف يكون حَارِساً! أخذه الشاعر فقال:

وحارس من مثله يُحْترس

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account