الحمدُ للّه نَحْمده على نِعمه، ونَسْتعينه على طاعته، ونَسْتنصره على أعدائه نؤمن به حقّاً، ونتوكّلِ عليه مُفوِّضين إليه، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداَ عبدُه ورسولُه، بعثَه على فَتْرة من الرُّسل، ودرُوس من العِلْم، وإدْبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة، بَشيراً بالنَعيم المُقيم، ونَذيراً بين يدي عذاب أليم، فَبلّغ الرِّسالة، ونَصح الأمة، وجاهد في اللّه، فأدّى عن اللّه وعدَه ووعيده، حتى أتاه اليَقين، فعلى النبيّ من الله صلاة ورحمة وسلام. أُوصيكم عبادَ اللهّ بتقوى اللّه، فإن في التَقوى تَكْفيرَ السيّآت، وتَضْعيف الْحَسنات، وفوزاً بالجنّة، ونَجاةً من النار. وأُحذّركم يوماً تَشْخص فيه الأبصار، وتُبلى فيه الأسرار، يومَ البعث ويومَ التغابن ويومَ التلاق ويوم التناد، يومَ لا يُستعتب من سيئة، ولا يُزداد في حسنة، يوم الآزفة، إذا القُلوب لَدَى الحَناجر كاظِمين، ما للظّالمين من حَمِيم ولا شَفيع يُطاع، يُعلم فيه خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، واتّقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثُم توفّى كل نفس ما كَسبت وهم لا يظلمون. عبادَ اللّه، إنكم لم تُخلقوا عَبثا، ولن تتركوا سُدَى، حَصّنوا إيمانكم بالأمانة، ودِينَكم بالوَرع، وصَلاتكم بالزِّكاة، فَقد جاء في الخبر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا إيمانَ لمن لا أمانة له، ولا دِين لمَن لا عهد له، ولا صَلاة لمن لا زكاة له. إنكم سَفر مُجتازون، وأنتم عنِ قَرِيب تَنتقلون من دار فَناء إلى دار بقاء، فَسارِعوا إلى المغفرة بالتَّوبة، وإلى الرَّحمة بالتّقوى، إلى الهُدى بالإنابة؛ فإن اللّه تعالى ذِكْره أوْجب رَحْمته للمُتَّقين، ومَغْفرته للتائبين، وهُداه للمُنيبين. قالت الله عزَّ وجلّ وقولُه الحق: " ورَحْمتي وَسِعتْ كُلّ شيء فسأكْتُبها للذين يَتَّقُون وَيؤدون الزَّكاة " وقال: " وإني لغفّار لمن تاب وآمَن وعَمل صالِحاً ثم اهْتدَى " وإياكم والأمانيَ، فقد غَرّت وأرْدت وأوبقت كثيراً، حتى أكذبتهم مُناياهم، فتناوشُوا التوبةَ من مكان بعيد، وحِيل بينهم وبين ما يَشْتهون، فأخبركم ربكم عن المَثُلات فيهم، وصَرّف الآياتِ، وضَرَب الأمثال، فرغّب بالوَعْد، وقَدّم إليكم الوعيد، وقد رأيتُم وقَائعه بالقرُون الخوالي جيلاً فجيلاً، وعَهدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بُيوتكم ومن بين ظهركم، لا تَدْفعون عنهم ولا تَحُولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فاسلمتْهم إلى أعمالهم عند المَواقف والحساب والعقاب، ليُجْزى الذين أساءوا بما عملوا، ويُجزي الذين احسنوا بالحُسنى. إن أحسن الحديث وأبلغَ الموعظة كتابُ الله، يقول الله عزّ وجلّ: " وإذا قُرِىء القُرْان فاسْتَمِعوا له وأنْصتوا لعلَّكم ترحَمون " أعوذ بالله العظيم من الشَيطان الرجيم، إنه هو السّميع العليم. بسم الله الرحمن الرحيم " قُل هُو اللّهُ أحد. اللّهُ الصَمَد. لَم يلد. ولم يُولَد. ولم يَكن له كفُواً أحد " أمرُكم بما أمَركم اللّهُ به، وأنهاكم عما نَهاكم اللّه عنه. وأستغفر اللّه لي ولكم.
خطبة المأمون في يوم الجمعة