قال ابن دأب: لما قَدِمَ عبيدُ الله بن زياد على معاوية بعد هلاك زياد فوجده لاهياً عنه، أنكره، فجعل يَتصدى له بخَلوة لَيسْبُر من رأيه ما كُرِهَ أن يُشرك به في عمله، فاستأذن عليه بعد انصداع الطُلاب، وإشعال الخاصة، وافتراق العامة، وهو يوم معاوية الذي كان يَخْلو فيه بنفسه. ففَطِن معاوية لما أراد، فَبعث إلى ابنه يزيد، وإلى مْرْوَان بن الحكم، وإلى سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، وعمرو بن العاص. فلما أخذوا مجالسهم آذنَ له، فسلم ووقف واجماً يتصفح وجُوه القوم، ثم قالت: صَريح العُقوق مُكاتمة الأدْنين، ولا خَيْرَ في اختصاص إن وَفر، أحْمَد الله إليكم على الآلاء، وأستعينه على الَلأوَاء، وأسْتَهْدِيه من عَمىً مُجْهِد، وأسْتَعينه على عدوٍّ مُرْصِد، وأشْهدَ أن لا إله إلا الله، المنقِذ بالأمين الصادق، من شقاء هاوٍ، ومن غَواية غاوٍ؛ وصلواتُ الله على الزكيّ نبيِّ الرحمة، وِنذير الأمَة، وقائد الهُدى. أما بعد، يا أميرَ المؤمنين، فقد عَسَف بنا ظَنّ فرَّع، وفرَع صَدَّع؛ حتى طَمِع السحيق، ويئس الرّفيق؛ ودَث الوُشاة بموت زياد، فكلُّهم مُتحفّز للعداوة، وقد قَلَّص الإزْرة، وشَمَّرَ عن عِطافه، ليقول: مضى زِياد بما استُلْحقِ به، وولّى على الدَّنية من مُسْتلحقه. فليت أمير المؤمنين لسَم في دَعَتِه، وأسْلم زياداً في ضَعَته، فكان تِرْبَ عامّة، وواحد رعيّة، فلا تَشْخصِ إليه عين ناظر، ولا إصبْع مُشير، ولا تذلَقُ عليه أَلْسُن. كَلَمته حيّا، ونَبَشته مَيْتاً، فإن تكن يا أميرَ المؤمنين حابيتَ زياداً بولاء رُفات، ودَعْوة أموات، فقد حاباك زِياد بجِدّ هَصُور، وعزْم جَسُور، حتى لانت شكائمُ الشَرِس، وذلَت صَعْبة الأشوَس، وبَذل لك أمير المؤمنين يمينَه ويساره، تأخذ بهما المَنيع، وتَقْهر بهما البزيع، حتى مضى، والله يَغْفِر له. فإنْ يكن زيادٌ أخذ بحقّ فأنْزِلنا مَنازلَ الأقْرِبين، فإنّ لنا بعدَه ما كان له، بدالة الرَّحِم، وقرَابة الحَمِيم، ومالنا يا أمير المؤمنين نمشي الضراء، وندِبّ الخَفاء، وٍ لنا من خَيْرك أكمله، وعليك من حَوبنا أثقلُه، وقد شَهِد القوِم، وما ساءني قرْبُهم، ليُقرّوا حقّاً، ويردُوا باطلاً، فإنَ الحق مَناراً واضحاً، وسبيلاً قَصْداً، فقل يا أمير المؤمنين بأيّ أمْرَيْك شِئْت، فما نأْرِز إلى غير جُحرنا، ولا نَسْتكثر بغير حقِّنا، واستغفر اللّه لي ولكم. قال: فنظر مُعاوية في وجوه القوم كالمُتعجب، فتصفّحهم بلحظه رجلاً، رجلاً، وهو مُبْتسم. ثم اتجه تِلْقاءه، وعَقد حُبْوته، وحسر عن يده، وجعل يُومىء بها نحوَه، ثم قال مُعاوية: الحمد للّه على ما نحنُ فيه، فكُل خير منه، وأشهد أن لا إله إلا اللهّ، فكُلّ شيء خاضع له، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، دل على نفسه بما بان عن عَجْز الخَلْق أن يؤتوا بمثله، فهو خاتم النبيّين، ومُصدِّق المُرسلين، وحُجَّة ربّ العالمين، وصلواتُ اللّه عليه وسلامُه وبركاته. أما بعد، فربّ خير مَستور، وشرّ مَذْكور، وما هو إلا السهم الأخْيَب لمن طارَ به، والحَط المُرْغِب لمن فاز به، فيهما التفاضُل وفيهما التغابنُ، وقد صَفَقت يداي من أبيك صَفْقة ذي الجُلْبة من ضوارع الفُصْلان، عامل اصطناعي له بالكُفر لما أَوْليتُه، فما رَميت به إلا انتصل، ولا انتضيتُه إلا غُلِّق جَفْنه، وَزلَّت شفرته؛ ولا قلتُ إلا عاندَ، ولاقُمْت إلا قَعد، حتِى اخترمه الموت؛ وقد أُوقع بخَتْره، ودلَّ على حِقد،. وقد كنتُ رأيتُ في أَبيك رأياَ حَضَرَه الخَطَل، والتبس به الزَّلل، فأخذ مني بحظّ الغَفْلة، وما أُبرِّىءُ نَفْسي إن النَّفس لأمِّارة بالسُّوء، فما بَرِحت هناة أبيك تَحْطِبُ في حَبْل القطيعة، حتى انتكث المُبْرَم، وانحل عِقد الوِداد. فيالها توبةً تُؤْتنف، من حَوْبة أوْرَثَت ندما؛ اسْمَع بها الهاتف، وشاعَت للشَامت، فليهنأ الواصِم ما به احتقر. وأراك تَحْمد من أبيك جدّاً وجُسوراً، هما أوْفيا به على سَرف التَقَحُّم، وغَمْط النِّعمة، فَدَعْهما، فقد أذكَرَتْنا منه ما زهَدَنا فيك من بَعْدَه، وبهما مَشَيْتَ الضَرَاء، ودببت الخفاء، فاذهب إليك، فأنت نَجْل الدّغَل، وعِتْرة النَّغل، والآخرً شرِّ.
The Unique Necklace
ذكر لعبيد الله بن زياد عند معاويةTexte original Public domain
Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens
Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.