الحمد اللهّ الذي هو أوّل كُلّ شيء وبَدِيّه، ومُنتهى كل شيء ووليّه، وكُلّ شيء خاشعٌ له، وكلّ شيء قائم به، وكلّ شيء ضارعٌ إليه، وكل شيء مُستكين له. خَشعت له الأصوات، وكَلت دونه الصِّفات؛ وضَلت دونه الأوهام، وحارت دونه الأحلام، وانحسرت دونه الأبصار. لا يَقْضي في الأمور غيرُه، ولا يَتمّ شيء منها دونه، سُبحانه ما أجلَ شَأنَه، وأعظمَ سُلْطانه! تُسبِّح له السمواتُ العُلَى، ومَن في الأرض السفلى؛ له التَّسبِيح والعَظَمة، والمُلك والقُدْرة، والحَوْل والقوَّة؛ يَقْضي بِعْلم، ويَعْفو بحِلْم، قُوُة كل ضعيف ومَفْزع كلّ مَلْهُوف، وعِزّ كل ذليل، ووليُ كل نِعْمة، وصاحبُ كلّ حَسَنة، وكاشفُ كل كُربة؛ المًطلع على كل خَفِيَّة، المُحْصي لكل سَرِيرة، يَعلم ما تُكن الصُدور، وما تُرْخَى عليه الستور؛ الرًحيم بخَلقه، الرَّؤوف بعباده، مَن تكلّم منهم سَمع كلامَه، ومَن سكت منهم علِمَ ما في نفسه، ومَن عاش منهم فعليه رِزْقُه، ومَن مات منهم فإليه مَصيره، أحاط بكل شيء عِلْمُه، وأَحْصىَ كل شيء حِفْظُه. اللهم لك الحمد عَدَد ما تُحيي وتميت، وعَدَد أنفاس خَلْقك ولَفْظهم ولحَظ أبصارهم، وعَدد ما تَجري به الريحُ، وتَحمله السحاب، ويختلف به الليلُ والنهار، ويسير به الشمسُ والقمر والنجومُ، حمداً لا يَنْقضي عَدده، ولا يَفني أَمدُه. اللهم أنت قبلَ كل شيء، وإليك مصير كل شيء، وتكون بعد هلاك كل شيء، وتَبقى ويَفنى كل شيَء، وأنت وارث كل شيء، أحاط عِلْمك بكل شيء، وليس يُعجزك شيء، ولا يَتوارى عنك شيء، ولا يَقْدر أحدٌ قُدْرتك، ولا يَشْكرك أحذ حقّ شُكرك، ولا تَهتدي العُقول لصِفَتك، ولا تَبْلغ الأوهام حَدَّك. حارت الأبصار دون النَظر إليك، فلم تَرك عينٌ فتُخْبر َعنك كيف أنت وكيف كُنت، لا نَعلم اللهم كيف عَظمتُك، غير أنّا نعلم أنك حيَّ قيّوم، تأخذك سِنة ولا نَوْم، لم يَنْته إليك نَظر، ولم يُدركك بَصر، ولا يقدر قُدرتَك مَلَك ولا بَشر؛ أدركت الأبصار، وكَتبت الآجال، وأحْصَيت الأعمال، وأخذت بالنَواصي والأقدام؛ لم تَخْلُق الخلق لحاجة ولا لوَحْشة؛ ملأت كل شيء عَظمةً، فلا يُردّ ما أردت، ولا يُعطى ما مَنعت، ولا يَنْقصِ سُلطانك مَن عصاك، ولا يَزيد في مُلْكك مَن أطاعك. كل سرّ عندك عِلْمُهُ، وكلّ غيب عندك شاهدُه، فلم يستتر عنك شيء، ولم يَشْغلك شيء عن شيء، وقُدْرتك على مَا تَقْضي كقُدرتك على ما قَضيت، وقدرتك على القويّ كقُدرتك على الضَّعيف، وقُدرتك على الأحياء كقُدرتك على الأموات. فإليك المُنتهى، وأنت المَوْعد، لا منجى إلا إليك، بيدك ناصيةُ كل دابة، وبإذنك تَسْقط كلّ ورقة، لا يَعْزْبُ عنك مثقالُ ذَرّة، أنت الحي القيومُ. سبحانك! ما أعظم ما يُرى من خَلقك! وما أعظم ما يُرى من ملكوتك! وما أقلًهما فيما غاب عنّا منه! وما أسبغ نعمتَك في الدُنيا وأحقرها في نَعيم الآخرًة! وما أشد عقوبتَك في الدُّنيا وما أيسرها في عُقوبة الآخرًة! وما الذي نَرى من خَلْقك، ونَعْتبر من قُدرتك ونَصِف من سُلطانك فيما يَغيب عنَّا منه، مما قَصرُت أبصارُنا عنه، وكَلت عقولنا دونه، وحالت الغُيوب بيننا وبينه! فمَن قَرع سنَّه، وأعمل فِكْره: كيف أقمتَ عرْشك؟ وكيف ذَرأت خلقك؟ وكيف عَلَّقت في الهواء سَمواتِك؟ وكيف مَددت أرضك؟ يَرجع طرفُه حاسراً، وعقْله مَبهوراً، وسَمعُه والها، وفِكره متحيراً. فكيف يطلْب عِلْم ما قَبْل ذلك مِن شأنك، إذ أنت وحدك في الغُيوب التي لم يكن فيها غيرُك، ولم يكن لها سواك، لا أحد شَهِدك حين فطرت الخَلق، ولا أحدَ حَضرك حينَ ذرأت النُفوس، فكيف لا يَعْظم شأنُك عند مَن عرفك، وهو يرى مِن خلقك ما تَرتاع به عقولُهم، ويملأ قلوبهم، من رَعْد تَفزع له القُلوِب، وبَرْق يَخْطِف الأبصار، وملائكةً خَلقتَهم وأسكنتهم سمواتِك، وليست فيهم فتْرة، ولا عَندهم غَفْلة، ولا بهم مَعْصية. هم أعلم خَلقك بك، وأخوفهم لك، وأقومُهم بطاعتك، ليس يَغشاهم نوم العُيون، ولا سَهْو العقود؛ لم يَسْكنُوا الأصلاب، ولم تضمهم الأرحام؛ أنشأتَهم، إنشاء، وأسكنتهم سمواتِك، وأكرمتهم بجوارك، وائتمنتهبم على وَحْيك؟ وَجنَبتهم الأفات، ووَقَيتهم السيآت، وطَهّرتهم من الذنوب؛ فلولا تقويتك لم يَقْوَوِا، ولولا تَثْبيتك لم يَثْبتوا، ولولا رَهْبتك لم يطيعوا، ولولاك لم يكونوا.
The Unique Necklace
خطبة الزهراءTexto original Public domain
Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado
Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.