ثم استمرًت وقالت وهي باكيةٌ ... يا ليتَ مَعْرفتي إياك لم تَكُن
العُتْبي قال: أنشد أعرابي:
يا زَيْنَ من وَلدت حَوَاءُ من وَلد ... لولاك لم تَحْسُن الدنيا ولم تطِبِ
أنتِ التي مَن أراه اللّهُ رُؤيَتها ... نال الخلود فلم يَهْرَم ولم يَشِبِ
وأنشد الرّياشي لأعرابيّ:
من دمْنَةٍ خُلِقَتْ عَيْناكَ في هَتَنِ ... فما يَرُدّ البُكا جَهْلاً على الدِّمَنِ
ما كُنت للقَلْب إلا فِتْنةً عَرَضت ... يا حبذَا أنتِ من مَعْروضة الفِتن
تسُيءُ سَلْمى وأجزِيها به حَسَناً ... فَمَنْ سِواي يُجازي السوء بالحَسَن
قال: وسمعتُ أعرابياً يصف امرأة، فقال: بَيضاء جَعْدة، لا يمَس الثوبُ منها إلا مُشاشة كَتفيها، وحَلَمة ثَدْييها، ورَضْفَتي رُكبتيها، ورانفتي ألْيتيها، وأنشد:
أَبت الرَّوادفُ والثُّديّ لقُمْصها ... مَسَّ البُطون وٍ أَنْ تَمسّ ظُهورَا
وإذا الرّياح مع العَشي تنَاوحت ... نَبَّهْنَ حاسدة وهِجْنَ غَيُورا
وقال أعرابيّ: ليت فلانة حَظِّي من أَمَلِي، ولرُبّ يوم سِرْتُه إليها حتى قَبض الليلُ بَصري دونها، وإنَ منِ كلام النَساء ما يقوم مَقام الماء، فيَشْفي من الظمأ. وذكر أعرابيّ امرأة، فقال: تلك شمْس باهتْ بها الأرضُ شمسَ سمائها. وليس لي شفيع في اقتضائها، وإنَّ نفسي لَكَتُومٌ لدائها، ولكنها تَفِيض عند امتلائها. أخذ هذا المعنى حبيب فقال:
ويا شمْسَ أَرْضيها التي تمَّ نُورها ... فباهت بها الأرَضُون شَمْسَ سَمَائِها
شكَوْتُ وما الشَكوى لمثليَ عادةٌ ... ولكنْ تَفيضُ النفسُ عند امتلائها
وقيل لأعرابيّ: ما بالُ الحَبّ اليومَ على غير ما كان عليه قبلَ اليوم؟ قال: نَعم، كان الحبّ في القَلْب فانتقل إلى المَعدة، إن أطْعمْتَه شيئاً أحَبّها، وإلا فلا. كان الرجُل يُحب المرأة، يُطيف بدارها حَوْلاً ويَفْرح إن رأى مَن رآها، وإن ظفِر منها بمَجلس تَشَاكيا وتناشدا الأشعار، وإنه اليومَ يُشير إليها وتشير إليه ويَعِدها وتَعِدُه، فإذا اجتمعا لم يَشكُوا حُبًّا، ولم يُنْشِدا شعرا، ولكنْ يَرْفع رِجْلَيها ويَطْلُب الوَلد. وقال أعرابيّ:
شكَوتُ فقالتْ كلّ هذا تَبَرُّمًا ... بحُئيِ أراح اللّه قَلبَك من حُبِّي
فلما كتمتُ الُحَبّ قالت لَشَدما ... صَبَرْت وما هذا بِفِعْل شَجِي القَلْب
وأدْلُو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها فَتَعْتَدّ التَباعُدَ مِن ذَنْبي
فشكْوَاي تُؤذِيها وصَبْري يَسُوءها ... وتَجْزع مِنْ بُعْدِي وتَنْفِر من قُرْبي
فيا قوم هَلْ من حِيلَة تَعْلَمونها ... أشِيرُوا بها واسْتَوْجبوا الشكر من رَبي
قولهم في الخيل
الأصمعي قال: سمعتُ أعرابياً يقول: خرَجَتْ علينا خَيْلٌ مُسْتَطيرة النَّقع، كأنّ هَوادِيهَا أعلام، وآذانَها أطرافُ أقْلاَم، وفُرْسانَها أسُود آجام. أخذ هذا المعنى عَدِيّ بن الرِّقاع فقال:
تَخرُجْن فُرُجات النَّقْع داميةً ... كأنّ آذانَها أطرافُ أقْلاَم
وقال أعرابي: خَرَجْنا حُفَاة حين انتعل كُلُّ شيء بِظلِّه، وما زادُنا إلا التوكل، وِلا مَطايانا إلا الأرْجل، حتى لَحِقْنا القومَ. وذَكَر أعرابيّ فَرَسا وسُرْعته، فقال: لما خرَجت الخيلُ أقبل شَيْطانٌ في أشْطان، فلما أرْسِلت لمَع لَمْع البَرْق، فكَان أقربَها إليه الذي تَقع عَيْنه عليه. وقال أعرابي في فَرَس الأعْور السُّلَميّ:
مر َكلَمْع البَرْق سام ناظرُه ... تَسْبَحُ أولاه وَيَطْفو آخرًه
فمّا يَمَسُّ الأرْضَ منه حافِرُه