وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصدفت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مرصد
وهذا الذي سمعه رتبيل فقال: يا معشر العرب، حسنتم كل شيء فحسن حتى الفرار.
وبعد هذا يأتي قول حسان في ذلك.
وأسلم الحارث يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وخرج في زمن عمر إلى الشام من مكة بأهله وماله مجاهداً فأتبعه أهل مكة يبكون، فرق وبكى وقال: أما لو كنا نستبدل داراً بدارنا، أو جاراً بجارنا، ما رأينا بكم بدلا، ولكنها النقلة إلى الله. فلم يزل هنالك مجاهداً حتى مات.
وقال آخر:
قامت تشجعني هند وقد علمت ... أن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أدب
للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا
ولست منهم ولا أبغي فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلب
وقال محمود الوراق:
أيها الفارس المشيح المغير ... إن قلبي من السلاح يطير
ليس لي قوة على رهج ... الخيل إذا ثور الغبار مثير
واستدارت رحى الحروب بقوم ... فقتيل وهارب وأسير
حيث لا ينطق الجبان من الذعر ويعلو الصياح والتكبير
أنا في مثل ذا وهذا بليد ... ولبيب في غيره بحرير
وقال أيمن بن خريم:
إن للفتنة ميطاً بيناً ... فرويد الميط منها يعتدل
فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل
إنما يوقدها جهالها ... حطب النار فدعها تشتعل
ومما يحتج به الفرارون ما قاله صاحب كليلة ودمنة: إن الحازم يكره القتال ما وجد بداً منه، لأن النفقة فيه من النفس، والنفقة في غيره من المال.
أخذ هذا المعنى حبيب الطائي فنظمه في شعره حيث يقول:
كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا
ومن الفرارين: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فر من الأزارقة وكان في عشرة آلاف، وكان قد بعث إليه المهلب: يا بن أخي، خندق على نفسك وعلى أصحابك فإني عالم بأمر الخوارج ولا تغتر. فبعث إليه: أنا أعلم بهم منك، وهم أهون علي من ضربة الجمل.فبيته قطري صاحب الأزارقة، فقتل من أصحابه خمسمائة وفر لا يلو على أحد. فقال فيه الشاعر:
تركت ولداننا تدمى نحورهم ... وجئت منهزماً يا ضرطة الجمل
ومن الفرارين: أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فر يوم مرداء هجر من أبي فديك. فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوماً بالبصرة فقال: سرت على فرسي المهرجان من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام. فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير، فلو ركبت النيروز لسرت إليها في يوم واحد. فلما دخل عليه أهل البصرة لم يروا كيف يكلمونه ولا ما يلقونه من القول، أيهنئونه أم يعزونه، حتى دخل عليه عبد الله بن الأهتم فاستشرف الناس له وقالوا: ما عسى أن يقال للمنهزم؟ فسلم ثم قال: مرحباً بالصابر المخذول، الذي خذله قومه الحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك، ولكن علم الله تعالى حاجة أهل الإسلام إليك فأبقاك لهم بخذلان من معك لك. فقال أمية بن عبد الله: ما وجدت أحداً أخبرني عن نفسي غيرك.
وفيه يقول الشاعر:
إذا صوت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد
أتي الحجاج بدواب أمية قد وسم على أفخاذها عدة فأمر الحجاج أن يكتب تحت ذلك: للفرار.
وقال أبو دلامة: كنت مع مروان أيام الضحاك الحروري، فخرج فارس منهم فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم ثان فقتله، ثم ثالث فقتله فانقبض الناس عنه وجعل يدنو ويهدر كالفحل المغتلم. فقال مروان: من يخرج إليه وله عشرة آلاف؟ قال: فلما سمعت عشرة آلاف هانت علي الدنيا وسخوت بنفسي في سبيل عشرة آلاف وبرزت إليه، فإذا عليه فرو قد أصابه المطر فارمعل، ثم أصابته الشمس فاقفعل، وله عينان تتقدان كأنهما جمرتان. فلما رآني فهم الذي أخرجني، فأقبل نحوي وهو يرتجز ويقول:
وخارج أخرجه حب الطمع ... فر من الموت وفي الموت وقع
" من كان ينوي أهله فلا رجع "