وحًدّثتُماني أنّما المَوْتُ بالقُرى ... فكيفَ وهاتي هَضْبة وكئِيبُ
فلو كانت المَوْتى تُباع اشتريتُه ... بما لم تَكُن عنه النُّفوس تَطيب
بِعَيْني أو يمنى يَدَيّ وخِلْتُني ... أنا الغانمُ الجَذْلانُ حين يؤوب
لقد أفسد الموتُ الحياةَ وقد أتى ... على يَوْمِهِ عِلْقٌ إليّ حَبيب
أتى دون حُلْو العَيْش حتى أمَرَّه ... قُطُوبٌ على آثارهن نُكًوب
فواللّه لا أنْساه ماذَرَّ شارِقٌ ... وما اهتزّ في فَرْع الأراك قَضِيب
فإنْ تكُن الأيّامُ أحْسَنّ مَرّةً ... إليّ لقد عادَتْ لَهُن ذُنُوب
وقال امروء القَيْس يرْثي إخْوته:
أَلا يا عَين جُودي لي شَنينَا ... وبَكِّي للملوك الذَّاهبينا
مُلُوك مِن بني صَخر بن عمرو ... يُقَادُون العَشِيَّة يقْتَلونا
فلم تُغْسَل رُؤوسُهم بِسِدْر ... ولَكنْ في الدِّمَاءِ مُزَمَّلينا
فَلَو في يَوْم مَعْرَكة أصِيبُوا ... ولكنْ في ديَار بَني مَرِينا
وقال الأبَيْرد بن المُعذَّر الرياحي يَرْثي أخاه بُرَيداً:
" تَطَاوَل لَيلي ولم أنمهُ تَقَلّباً ... كأنَّ فِرَاشي حالَ من دونه الجَمْرُ
أراقب من ليل التِّمام نُجومَه ... لَدُن غاب قَرْنُ الشمس حَتَّى بدا الفجر
تَذَكَّرَ عِلْق بَانَ منّا بنَصرِه ... ونائله يا حَبَّذا ذلك الذِّكْر
فإن تَكُن الأيّام فَرَّقْن بَينَنا ... فقد عَذَرَتْنا في صَحابته العُذْر
وكنتُ أرى هَجْراً فِراقك ساعةً ... ألا لا بَلِ الموتُ التفرُّق والهَجْرُ
أحَقًّا عبادَ الله أَنْ لستُ لاقيا ... بُرَيْداً طَوَالَ الدَّهْرِ ما لألأ العُفْر
فَتًى ليس كالفِتْيان إلاّ خِيارَهم ... مِن القَوْم جَزْلٌ لا ذَليلٌ ولا غُمْر
فَتًى إنْ هو استغنى تَخَرَّق في الغِنَى ... وإن كان فَقْرٌ لم يَؤُدْ مَتْنَه الفَقْر
وسامَى جَسيماتِ الأمورِ فَنالها ... على العُسْر حتى يُدْرِك العُسْرَةَ اليُسْر
تَرَى القومَ في العَزَّاء يَنْتَظرونه ... إذا شَتّ رأيُ القوم أو حَزَب الأمر
فَليتَك كُنت الحيَّ في الناس باقياً ... وكنتُ أنا المَيْتَ الذي ضَمَّه القَبْر
قتًى يَشتَري حُسْن الثَّناء بماله ... إذا السَّنَةُ الشَّهْباء قَلَّ بها القَطْر
كأنْ لم يُصَاحِبْها بُرَيد بِغبْطةٍ ... ولم تَأْتنا يَوْماً بأَخْباره البُشْر
لَعَمْري لَنِعْم المرءُ عالىَ نَعِيَّهُ ... لَنا ابنْ عَرِيْنٍ بعد ما جَنَح العَصْر
تَمَضَّتْ به الأخْبار حتى تَغَلْغَلت ... ولم تَثْنِه الأطْباعُ عَنّا ولا الجُدْر
فلمّا نَعى النّاعي بُرَيْداً تَغَوَّلَت ... بي الأرْض فَرْطَ الحُزْن وانْقَطَع الظَّهر
عَساكِرُ تَغْشَى النَّفْس حتى كأنني ... أَخو نَشْوَةٍ ارت بهامَته الخَمْر
إلى الله أشكُو في بُرَيْدٍ مُصِيبتي ... وبَثِّي وأحْزاناً يَجيش بها الصّدر
وقد كُنتُ أَستَعفي الإله إذا اشتكى ... من ألأجر لي فيه وإِن سَرَّني الأجر
وما زال في عَيْنَيّ بَعدُ غِشاوةٌ ... وسَمْعيَ عما كنتُ أَسْمعه وَقْر
عَلى أنَّني أقنَى الحياءَ وأتَّقي ... شماتة أقوام عُيونُهم خُزْر
فحيَّاكَ عَنّي اليلُ والصبحُ إذ بدا ... وهُوجٌ من الأرْواح غُدْوَتُها شَهْر
سَقَى جَدَثاً لو أسْتطيع سَقَيْتُه ... بأُودَ فَرَوَّاه الرَّواعِدُ والقطْر