الأصمعيًّ قال: نَظر عمرُ بن الخَطاب إلى الخَنساء وبها نًدوب في وَجْهها، فقال: ما هذه النُدوب يا خَنْساء؟ قالت: من طُول البُكاء على أخَوَيّ؛ قال لها: أخَواك في النار؛ قالت: ذلك أطْول لِحُزني عليهما، إني كنتُ أشْفِق عليهما من النار، وأنا اليوم أبْكي لهما من النار، وأنشدتْ:
وقائلةٍ والنَّعشُ قد فات خَطْوَها ... لِتًدْرِكه: يا لَهْفَ نفسي عَلَى صَخْرِ
ألا ثَكِلت أُمُ الذين غَدَوْا به ... إلى القَبرِ ماذا يَحْمِلون إلى القَبر
دخلت خَنساء على عائشة أمّ المؤمنين رضي اللهّ تعالى عنها وعليها صِدَار من شَعَر قد استشعرته إلى جِلْدِها، فقالت لها: ما هذا يا خَنساء؟ فوالله لقد تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لَبِسْتُه؛ قالت: إنّ له مَعْنى دَعاني إلى لِباسه، وذلك أنّ أبي زَوَجني سيّد قومه، وكان رجلاً مِتْلافاً فأسْرف في ماله حتى أنْفده، ثم رَجِع في مالي فأنْفده أيضاً، ثم التفت إليّ فقال: إلى أين يا خَنْساء؟ قلتُ: إلى أخي صَخر. قالتَ: فأتيناه فَقَسَّم مالَه شَطْرَين، ثم خَيَّرنا في أحْسن الشَّطْرين، فَرَجْعنا من عنده، فلم يَزَل زَوْجي حتى أذْهَبَ جَمِيعَه. ثم التفت إليّ، فقال لي: إلى أينِ يا خَنْساء؟ قلت: إلى أخي صَخْر. قالت: فَرَحَلْنا إليه، ثمٍ قَسَّم ماله شَطْرين وخيَّرنا في أفضل الشَّطْرين. فقالت له زوجتُه: أما تَرْضى أن تشَاطِرهَم مالك حتى تُخَيِّرهم بين الشَطرين؟ فقال:
واللّه لا أمْنَحها شِرَارَها ... فلو هَلَكْت قَدَّدَتْ خِمَارَها
واتخذَتْ من شَعَر صِدَارَها ... " وهي حَصَان قد كَفتْني عارها "
فآليت أن لا يُفارق الصِّدارُ جَسَدي ما بَقِيت.
قيل للخَنْساء: صِفِي لنا أخَوَيك صَخْراً ومُعاوية، قالت: كان صَخْرٌ واللّه جُنةَ الزمان الأَغْبر، وزُعافَ الخَميس الأحمر، وكان واللّه مُعاوية القائلَ والفاعل. قيل لها: فأيهما كان أسْنَى وأفْخَر؟ قالت: أمّا صَخْر فَحَرُّ الشِّتاءِ، وأما مُعاوية فَبَرْد الهواء. قيل لها: فأيهما أوْجع وأفْجَع؟ قالت: أما صَخْر فَجَمْر الكَبِد، وأما مُعاوية فَسَقام الجَسَد، وأنشأت:
أسَدان مُحْمَرَّا المَخالب نَجْدَةً ... بَحْران في الزَمن الغَضُوب الأمْمرٍ
قمرَان في النَّادِي رَفِيعا مَحْتدٍ ... في المَجْدِ فَرْعا سُودَدٍ مُتَخَير
وقالت الْخنساء تَرْثِي أخاها " صَخْر بن الشرِيد " :
قَذىً بعَيْنِك أمْ بالْعَينْ عُوَّارُ ... أم أقْفَرت إذ خَلَتْ من أهْلها الدًارُ
كأنَّ عَيْني لذِكْراه إذا خًطَرتْ ... فَيْضٌ يَسِيلُ على الخَدَّين مِدْرار
فالعَينْ تَبكِي على صَخْر وحُق لها ... ودُونه من جَديد الأرض أسْتار
بُكاءَ والهةٍ ضَلَّت أليفَتها ... لها حَنينان إصْغار وإكبار
ترعى إذا نسيت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبار
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نار
حامي الحقيقة محمود الخليقة مه ... ديُّ الطريقة نفاع ضرار
وقالت أيضاً:
ألا ما لعيني ألا مالها ... لقد أخضل الدمع سربالها
أمن بعد صخرٍ من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها
فآليت آسي على هالكٍ ... وأسأل باكيةً مالها
وهمت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها
سأحمل نفسي على خطة ... فإما عليها وإما لها
وقالت أيضاً:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجواد ... ألا تبكيان الفتى السيدا
طويال النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا
يحمله القوم ما غالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
جموع الضيوف إلى بابه ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
وقالت أيضاً: