كأنما حياتُهم لُعْبَة ... سَرَى إلى بِينِ بها راكب
وقال أبو حاتم: بِين: مَوضع من الحِيرة على ثلاث ليال.
الشَيبانيّ قال: وُجد مكتوباً على بعض القبور:
مَل الأحِبّةُ زَوْرتي فجفيت ... وسَكنتُ في دار البلَى فنسيتُ
الحيّ يَكْذِب لا صَديقَ لِمَيِّتٍ ... لو كَان يَصْدُق مات حين يَمُوت
يا مُؤْنِسا سَكن الثَّرى وَبَقِيتُ ... لو كنتُ أصدُق إذ بليتُ بَليت
أو كان يعمَى للبكاء مُفَجًع ... من طُول ما أبكِي عليك عَمِيت
وقال محمدُ بن عبد الله:
وعمّا قلَيلٍ لنْ تَرى باكياً لنا ... سَيَضْحك من يَبْكى وُيعْرض عن ذِكْري
تَرى صاحبي يبكى قليلاً لِفًرْقتي ... ويَضْحك من طُول اللَيالي على قَبري
ويُحْدِث إخواناً ويَنْسى مَودَتي ... وتَشْغله الأحباب عنّي وعن ذِكْري
من رثى ولده: فمن قولى في وَلدي:
بَلِيت عِظامُك والأسىَ يتجَدَد ... والصبْر يَنْفَد والبُكا لا يَنْفَدُ
يا غائباً لا يُرْتَجَىِ لِإيَابه ... ولقائه دونَ القِيامة مَوْعد
ما كان أحْسَنَ ملْحَداً ضُمِّنْته ... لو كان ضَّم أباك ذاك المُلْحَد
باليأس أسْلو عنك لا بتجلّدِي ... هيهاتَ أين من الحَزين تَجَلّد
ومن قولي فيه أيضاً:
واكَبِدَا قد قُطعت كَبِدي ... وحَرَّقتها لواعجُ الكَمدِ
ما مات حَيٌ لميِّتٍ أسَفآَ ... أعذر من والدِ على وَلد
يا رَحْمةَ الله جاوِرِي جَدَثاً ... دفَنْتُ فيه حُشَاشتي بِيَدي
ونَوِّري ظًلْمة القُبور على ... مَن لم يَصِلْ ظُلْمُه إلى أحد
من كان خِلْواً من كل بائقِةِ ... وطَيِّبَ الرُّوح طاهرَ الجَسَد
يا موت، يَحيى لقد ذهبتَ له ... ليس بُزمَّيْلَةٍ ولا نَكِد
يا مَوْتَه لو أقلتَ عَثْرته ... يا يومَه لو تركتَه لِغَدِ
يا موتُ لو لم تَكُن تعاجله ... لكان لا شكّ بَيْضَة البَلد
أو كنتَ راخيتَ في العِنان ... حاز العُلا واحتَوَى على الأمد
أي حسام سلبت رَوْنَقه ... وأيَّ رُوح سًللت من جَسد
وأيَ ساقٍ قطعت من قَدَم ... وأيَ كَفٍّ أزلْت من عَضدُ
يا قمراً أجْحف الخُسوف به ... قبل بُلوغ السواء في العَدَد
أيُّ حَشاً لم تَذُب له أسفاً ... وأيّ عَيْن عليه لم تَجُد
لا صَبْر لي بعدَه ولا جَلَدٌ ... فجعتُ بالصَّبر فيه والجَلَد
لو لم أَمُتْ عند مَوْته كمَداً ... لَحُقّ لي أن أموت من كَمَدي
يا لَوْعةً ما يزال لاعِجُها ... يَقْدح نارَ الأسى على كَبِدي
وقلت فيه أيضاً:
قَصَد المَنُون له فمات فَقِيدَا ... ومَضى على صَرْف الخطُوب حَمِيدا
بأبي وأمِّي هالِكاً أفْرِدتُه ... قد كان في كلِّ العُلوم فَرِيدا
سُود المقَابر أصبحتْ بِيضاً به ... وغَدت له بيضُ الضمائر سُودا
لم نُرْزَه لما رزِينا وَحْدَه ... وإن استقلّ به المنون وَحِيدا
لكنْ رُزِينا القاسمَ بنَ محمّد ... في فَضْله والأسْودَ بنَ يَزيدا
وابن المُبارك في الرقائق مُخْبِراً ... وابن المُسيِّب في الحديث سَعِيدا
والأخفَشيَنْ فَصاحةً وبلاغةً ... والأعْشَيَيْن رِوايةً ونشيدا
كان الوَصيَّ إذا أردتُ وصيّةً ... والمُستفادَ إذا طلبتُ مفِيدا
وَلَّى حَفيظاً في الأذمّة حافظا ... ومَضى ودودا في الوَرَى مَوْدُودا
ما كان مِثْلى في الرَّزَّية والداً ... ظَفرتْ يَداه بمثله مَوْلُودا
حتى إذا بَذَ السَّوابق في العلا ... والعِلْم ضمِّن شِلْوُه مَلْحودا