يا مَن يُفنِّد في البُكاء مُوَلَّها ... ما كان يَسْمسَ في البُكا تَفْنِيدا
تأبَى القُلوب المسْتَكِينة للأسى ... مِن أن تَكون حجارةً وحَدَيدا
إن الذي باد السُّرورُ بِموْته ... ما كان حُزني بعده لِيَبِيدا
الآنَ لما أن حَوَيتَ مآثرِاً ... أعْيَت عَدُوّا في الوَرَى وحَسُودا
ورأيتُ فيك من الصلاح شمائلاً ... ومن السَّماح دلائلاً وشُهودا
أبْكِي عليك إذا الحمامة طَرَّبت ... وَجْهَ الصَّباح وَغَرِّدت تَغْريدا
لولا الحَياء وأنْ أزَنّ بِبِدْعة ... مما يُعدِّده الوَرى تعْدِيدا
لجعلتُ يومَك في المَنائح مَأتما ... وجعلتُ يومَك في الموالد عِيدا
وقلت فيه أيضاً:
لا بَيْتَ يُسْكن إلا فارَق السكَنَا ... ولا امتلا فَرَحاً إلا امتلا حَزَنَا
لَهْفِي على مَيِّت مات السُّرور به ... لو كَان حَيًّا لأحْيَا الدينَ والسُّنَنا
واهاً عليك أبا بَكْرٍ مُرَدَّدةً ... لو سَكَّنتْ ولَهاً أو فَتَرت شَجَنا
إذَا ذكرتُك يوماً قُلت واحَزَنا ... وما يَرُد عليّ القَوْلُ: واحَزَنا
يا سيّدي ومَراح الرُّوح في جَسدي ... هلا دَنا الموتُ منّي حين مِنْك دنا
حتى يعود بنا في قعْرِ مُظْلمة ... لَحْدٍ وُيلْبسَنا في واحدٍ كَفَنا
يا أطيب الناس رُوحا ضمَّه بَدَنٌ ... أسْتَودع اللهّ ذاك الروح والبَدَنا
لو كنتُ أعطَي به الدنيا مُعاوَضةً ... منه لما كانت الدُنيا له ثَمنا
وقال أبو ذُؤيب الهُذلي، وكان له أولادٌ سبعة فماتوا كلّهم إلا طفلا، فقال يرثيهم:
أمِنَ المَنون وَرَيْبه نَتَوجع ... والدَهر ليس بمًعْتِب من يَجْزَعُ
قالت أمَيمة ما لجسْمك شاحباً ... منذ ابتُذِلْت ومثلُ مالك يَنْفع
أم ما لجسمك لا يُلائِم مَضْجَعاً ... إلا أقَضَّ عليك ذاك المَضْجع
فأجبتُها أن ما لجسْمي أنّه ... أوْدىَ بنَي من البِلاَد فودَعوا
أودى بَنيّ وأعقَبُوني حَسْرةً ... بعد الرُّقاد وعَبْرةً ما تُقلِع
سَبَقُوا هًوىّ وأعْنَقُوا لهواهمُ ... فَتُخرِّموا ولكلِّ جَنْبٍ مَصرَع
فَبقِيت بعدهُم بعَيْشٍ ناصِبٍ ... وإخَال أنِّي لاحقٌ مسْتتبِع
ولقد حَرَصْت بأن أدافع عنهم ... وإذا المَنيّة أقبلتْ لا تُدْفَع
وإذا المنيَّة أنْشَبت أظفارَها ... ألفيتَ كلَّ تَمِيمة لا تَنْفع
فالعين بَعدهُم كأنّ حِدَاقها ... سُمِلت بشَوْك فهي عُورٌ تَدْمَع
حتى كأنِّي للحوادثِ مَرْوَةٌ ... بصفَا المُشرَّق كل يومِ تُقرع
وتَجلُّدي للشامتين أرِيهمُ ... أَنِّي لِرَيْب الدَّهر لا أتَضَعْضَع
وقال في الطِّفل الذي بقي له:
والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها ... وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ
وقال الأصمعي: هذا أبْدَع بَيْت قالته العرب.
وقال أعرابيٌّ يَرْثى بَنِيه:
أسُكّان بَطْن الأرْض لو يُقْبَلُ الفِدَا ... فَدَينا وأعْطينا بكم ساكِني الظَّهْرِ
فيا ليتَ مَن فيها عليها وليتَ مَن ... عليها ثَوَى فيها مُقِيماً إلى الحَشْر
وقاسَمني دهرِي بَنيّ بِشَطْره ... فلما تَقَصىَّ شَطْرُه مالَ في شَطْري
فصارُوا دُيوناً للمَنايا ولم يَكُن ... عليهم لها دَيْن قَضَوْه على عُسْر
كأنهمُ لم يَعْرف الموتُ غيرَهم ... فثُكْلٌ على ثُكلِ وقبر إلى قَبْر
وقد كنتُ حَيَّ الخَوْفِ قبل وَفاتهم ... فلما تُوفّوا مات خوْفي من الدَّهر
فلله ما أعْطى وللّه ما حَوَى ... وليس لأيّام الرزَّية كالصَّبر