FluentPlex

The Unique Necklace

باب كلام الزهاد وأخبار العباد

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ووعظ رجل المأمون فأَصغَى إليه مُنْصَتاً، فلما فَرغ قال: قد سمعتُ موعظتك، فاسأل الله أن ينفعنا بها وبما عَلِمنا، غيرَ أنّا أحوجُ إلى المُعاونة بالفِعال مِنّا إلى المُعاونة بالمَقال، فقد كَثُر القائلون، وقَلّ الفاعلون.

العُتْبِيُّ قال: دَخل رجلٌ من عَبد القَيْس على أبي فَوَعِظه، فلما فَرغ قال أبي له: لو اتّعظنا بما عَلِمنا لا نْتَفعْنا بما عَمِلْنا، ولكنّا عَلِمنا عِلماَ لزمتنا فيه الحُجَّة، وغَفَلنا غَفْلةَ مَن وَجبت عليه النِّقمة، فَوُعظنا في أنفسنا بالتَّنقل من حال إلى حال، ومن صِغَرِ إلى كِبر، ومن صِحَّة إلى سَقم، فأبينا إلا المُقام على الغَفْلة، وإيثاراً لعاجل لا بقاءَ لأهله، وإعراضاً عن آجل إليه المصير.

سعد القَصِير قال: دَخل أناسٌ من القُرّاء على عُتْبة بنِ أبي سًفيان فقالوا: إنّك سَلَّطت السيفَ على الحقّ ولم تسلِّط الحقَّ على السَّيف، وجئت بها عَشوة خَفِيّة. قال كَذَبْتُم: بل سلّطت الحقّ وبه سُلِّطتَ، فاعرفوا الحقَّ تَعْرفوا السيفَ فإنكم الحاملون له حيثُ وَضعه أفضل، والواضعون له حيثُ حَمْله أعدل، ونحِن في أول زمان لم يأتِ آخرُه، وآخرِ دَهْر قد فات أولُه، فصار المَعْروف عندكم مُنْكراَ، والمُنكر معروفاً، وإني أقول لكم مَهْلاً قبلَ أن أقول لنفسي هلا؟ قالوا: فَنَخْرج آمِنين؟ قال: غيرَ راشدين ولا مَهْدِيِّين.

حاد قوم سَفْر عن الطريق فَدَفعوا إلى راهب مُنْفرد في صَوْمعته، فنادَوْه، فأشرف عليهم، فسألوه عن الطريق، فقال: ها هنا، وأومأ بيده إلى السماء، فَعلِموا ما أراد؛ فقالوا: إنا سائلوك، قال: سَلُوا ولا تُكْثِرُوا، فإن النهار لا يرجع، والعُمْر لا يعود، والطالبَ حثيث؟ قالوا: علام الناسُ يومَ القيامة؟ قال: على نيَّاتهم وأعمالهم؟ قالوا: إلى أين المَوْئل؟ قال: إلى ما قَدَّمتم؟ قالوا: أوصِنا؟ قال: تزَوَّدُوا على قَدْر سَفركم، فَخَيْر الزاد ما بَلَّغ المحلّ، ثم أرشدهم الجادَّة واْنقمع.

وقال بعضهم: أتيت الشامَ فمررتُ بدَيْر حَرْملة فإذا فيه راهبٌ كأنّ عينيه مَزادتان، فقلت له: ما يُبْكيك؟ قال: يا مُسلم، أبْكي على ما فَرّطت فيه من عُمري، وعلى يوم يَمْضي من أجلي لم يَحْسُن فيه عملي. قال: ثم مررتُ بعد ذلك فسألتُ عنه، فقيل لي: إنه قد أسلم وغزا الرومَ وَقُتل.

قال أبو زَيْد الحيريّ: قلت لثوبانَ الراهب: ما مَعنى لُبْس الرهبان هذا السواد؟ قال: هو أشبهُ بلباس أهل المصائب؟ قلت: وكلَّكم معشرَ الرُّهبان قد أصيب بمُصيبة؟ قال: يَرْحمك اللّه، وهل مُصيبة أعظمُ من مَصائب الذنوب على أهلها؛ قال أبو زيد: فما أذكُر قوله إلا أبكاني.

حبيبٌ العَدَويّ عن موسى الأسْوَارِيّ قال: قال: لما وقعتْ الفِتْنه أردتُ أن أحْرِزَ ديني فخرجتُ إلى الأهْواز، فبلغ آزادمَرْد قُدومي، فبعثَ إليّ مَتاعاً، فلما أردتُ الانصراف بلغني أنه ثَقِيل، فدخلتُ عليه فإذا هو كالخًفاش لم يَبق منه إلا رأسه، فقلت: ما حالُك؟ قال: وما حالُ مَنْ يُريد سفراً بعيداً بغير زاد ويَدْخل قبراً موحِشاً بلا مُؤنس، وَينْطلق إلى مَلك عَدْل بلا حُجَّة؟ ثم خرجتْ نفسُه.

العُتبيُّ قال: مررتُ براهب باكٍ فقلتُ: ما يُبكيك؟ قال: أمْرٌ عَرفتُه وقَصرُت عن طلبه، ويومٌ مَضى من عُمري نقص له أجلي ولم يَنْقُص له أملي.

باب كلام الزهاد وأخبار العباد

قيل لقوم من العُبَّاد: ما أقامكم في الشَّمس؟ قالوا: طلَب الظِّل.

قال علقمةُ لأسودَ بنِ يزيد: كم تُعذِّب هذا الجسدَ الضَّعيف؟ قال: لا تنال الراحة إلا بالتَّعب. وقيل لآخر: لو رفقتَ بنفسك؟ قال: الخيرُ كلُّه فيما أُكْرِهت النفوسُ عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حُفّت الجنَّة بالمكاره.

وقيل لمَسروق بن الأجْدع: لقد أضررتَ ببدنك؟ قال: كرامتَه أُريد. وقالت له امرأته فَيْروز لما رأتْه لا يُفْطِر من صيام ولا يَفْترً عن صلاة: ويلك يا مسروق! أما يعْبد الله غيرُك؟ أما خُلقت النارُ إلا لك؟ قال لها: وَيحْك يا فيروز! إن طالب الجنة لا يَسأَم، وهاربَ النار لا ينام. وشَكت أم الدَرداء إلى أبي الدَّرداء الحاجة، فقال لها: تصبَّري فإنّ أمامَنا عَقَبةً كئُوداً لا يجاوزها إلا أخفُّ الناس حِمْلاً.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا