FluentPlex

The Unique Necklace

التنصل والاعتذار

Original text Public domain

Read with the dictionary

دخل العماني على المأمون، وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج؛ فقال له: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان رائقان. قال: فغدا علي في زي الأعراب فأنشده، ثم دنا فقبل يده، وقال: قد والله يا أمير المؤمنين أنشدت يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ورأيت وجوههما وقبلت أيديهما وأخذت جوائزهما، وأنشد مروان، وقبلت يده وأخذت جائزته؛ وأنشدت المنصور، ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته؛ وأنشدت المهدي، ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته؛ إلى كثير من أشباه الخلفاء، وكبراء الأمراء، والسادة الرؤساء، فلا والله يا أمير المؤمنين، ما رأيت فيهم أبهى منظراً، ولا أحسن وجهاً، ولا أنعم كفاً، ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. قال: فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه بوجهه وبشره فبسطه، حتى تمنى جميع من حضره أنهم قاموا مقامه.

حدث العتبي عن سفيان بن عينية قال: قدم على عمر بن عبد العزيز ناس من أهل العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوش للكلام، فقال: أكبروا أكبروا؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس بالسن، ولو كان الأمر كله بالسن لكان في المسلمين من أهو أسن منك؛ فقال عمر: صدقت رحمك الله تكلم؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد دخلت علينا منازلنا، وقدمت علينا بلادنا، وأما الرهبة فقد أمننا الله بعدلك من جورك؛ قال: فما أنتم؟ قال: وفد الشكر؛ قال: فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغلبن جهل القوم بك معرفتك بنفسك، فإن ناساً خدعهم الثناء، وغرهم شكر الناس فهلكوا، وأنا أعيذك بالله أن تكون منهم، فألقى عمر رأسه على صدره.

التنصل والاعتذار

قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يقبل من متنصل عذراً صادقاً كان أو كاذباً لم يرد على الحوض. وقال صلى الله عليه وسلم: المعترف بالذنب كمن لا ذنب له.

وقال: الاعتراف يهدم الاقتراف.

وقال الشاعر:

إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائباً ... إليك فلم تغفر له فلك الذنب

واعتذر رجل إلى إبراهيم بن المهدي فقال: قد عذرتك غير معتذر، إن المحاذير يشوبها الكذب.

واعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى، فقال: قد أغناك الله بالعذر عن الاعتذار، وأغنانا بحسن النية عن سوء الظن.

وقال إبراهيم الموصلي: سمعت جعفر بن يحيى يعتذر إلى رجل من تأخر حاجة ضمنها له وهو يقول: أحتج إليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النية.

وقال رجل لبعض الملوك: أنا من لا يحاجك عن نفسه، ولا يغالطك في جرمه، ولا يلتمس رضاك إلا من جهة عفوك، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالزلة.

وقال الحسن بن وهب:

ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر

إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر

أعوذ بالود الذي بيننا ... أن يفسد الأول بالآخر

وكتب الحسن بن وعب إلى محمد بن عبد الملك الزيات:

أبا جعفر ما أحسن العفو كله ... ولا سيما عن قائل: ليس لي عذر

وقال آخر:

اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا

خير الخليطين من أغضى لصاحبه ... ولو أراد انتصاراً من لانتصرا

وقالت الحكماء: ليس من العدل سرعة العذل.

وقال الأحنف بن قيس: رب ملوم لا ذنب له.

وقال آخر: لعل له عذراً وأنت تلوم وقال حبيب:

البر بي منك وطى العذر عندك لي ... فيما أتاك فلم تقبل ولم تلم

وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم

وقال آخر:

إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب

ومن قولنا في هذا المعنى:

عذيري من طول البكا لوعة الأسى ... وليس لمن لا يقبل العذر من عذر

وقال آخر:

فهبني مسيئاً كالذي قلت ظالماً ... فعفواً جميلاً كي يكون لك الفضل

فإن لم أكن للعفو عندك للذي ... أتيت به أهلاً فأنت له أهل

ومن الناس من لا يرى الاعتذار ويقول: إياك وما يعتذر منه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account