FluentPlex

The Unique Necklace

التنصل والاعتذار

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقالوا: ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنباً.

وقال الشاعر محمود الوراق:

إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن أطراح العذر خير من العذر

قال ابن شهاب الزهري: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سناً، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له؛ فقال: لقد كان أبوك وعمك نعاقين في فتنة ابن الأشعث؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن مثلك إذا عفا لم يعدد، وإذا صفح لم يثرب. فأعجبه ذلك، وقال: أين نشأت؟ قلت: بالمدينة؛ قال: عند من طلبت؟ قلت: سعيد بن المسيب؛ وسليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب؛ قال: فأين أنت من عروة بن الزبير؟ فإنه بحر لا تكدره الدلاء. فلما انصرفت من عنده لم أبارح عروة بن الزبير حتى مات.

ودخل ابن السماك على محمد بن سليمان بن علي فرآه معرضاً عنه، فقال: مالي أرى الأمير كالعاتب علي؟ قال: ذلك لشيء بلغني عنك كرهته؛ قال: إذاً لا أبالي؛ قال: ولم؟ قال: لأنه إذا كان ذنباً غفرته، وإن كان باطلاً لم تقبله.

ودخل جرير بن عبد الله على أبي جعفر المنصور، وكان واجداً عليه، فقال له: تكلم بحجتك؛ فقال؛ لو كان لي ذنب تكلمت بعذري، ولكن عفو أمير المؤمنين أحب إلي من براءتي.

وأتي موسى الهادي برجل، فجعل يقرعه بذنوبه؛ فقال: يا أمير المؤمنين إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري ذنباً لم أجنه، ولكني أقول:

فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر

سعي بعبد الملك بن الفارسي إلى المأمون، فقال له المأمون: إن العدل من عدله أبو العباس، وقد كان وصفك بما وصفك به، ثم أتتني الأخبار بخلاف ذلك؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي بلغك عني تحميل علي، ولو كان كذلك لقلت: نعم، كما بلغك، فأخذت بحظي من الله في الصدق، واتكلت على فضل أمير المؤمنين في سعة عفوه؛ قال: صدقت.

محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات النصرة، فجار فيها وظلم، فكثر الشاكي له والداعي عليه، ووافى باب أمير المؤمنين زهاء خمسين رجلاً من جلة البصريين، فعزله المأمون، وجلس لهم مجلساً خاصاً، وأقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم. فكان مما حفظ من كلامه، أن قال: يا أمير المؤمنين، لو أن أحداً ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: " ومنهم من يلمزك فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " فأعجب المأمون جوابه، واستجزل مقاله، وخلى سبيله.

محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: قال لي أبو عبد الله أحمد بن أبي داود: دخلت على الواثق، فقال لي: ما زال قوم في ثلبك ونقصك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين. " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " ، والله ولي جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ذل من كنت ناصره، ولا ضاع من كنت حافظه، فماذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت أبا عبد الله:

وسعى إلي بعيب عزة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها

قال أبو العيناء: قلت لأحمد بن أبي داود: إن قوماً تظافروا علي؛ قال: " يد الله فوق أيديهم " . قلت: إنهم عدد وأنا واحد؛ قال: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " . قلت: إن للقوم مكراً؛ قال: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " .

قال أبو العيناء: فحدثت بها الحديث أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي داود إلا أن القرآن أنزل عليه.

قال: وهجا نهار بن توسعة قتيبة بن مسلم، وكان ولي خراسان بعد يزيد بن المهلب، فقال:

كانت خراسان أرضاً إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح

فبدلت بعده قرداً نطوف به ... كأنما وجهه بالخل منضوح

فطلبه فهرب منه، ثم دخل عليه بكتاب أمه، فقال له: ويحك! بأي وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ربي وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك. فقر به ووصله وأحسن إليه.

وأقبل المنصور يوماً راكباً والفرج بن فضالة جالس عند باب الذهب، فقام الناس إليه ولم يقم، فاستشاط المنصور غيظاً وغضباً ودعا به، فقال: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله تعالى لم فعلت، ويسألك عنه لم رضيت، وقد كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسكن غضبه وقر به وقضى حوائجه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account