لتجبر منه جانباً زعزعت به ... صروف الليالي والزمان المصمم
فقال له ابن الزبير: هو عليك أبا ليلى، فالشعر أدنى وسائل عندنا، أما صفوة أموالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد وتيماً تشغلها عنك، ولكن لك في مال الله سهمان، سهم برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده ودخل به دار النعم فأعطاه قلائص سبعاً، وجملاً رحيلاً، وأوقر له الركاب براً وتمراً وثياباً. فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفاً؛ فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى! لقد بلغ به الجهد؛ قال النابغة: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيراً فأنجزت، فأنا والنبيون فراط القاصفين.
قال الزبير بن بكار: الفارط: الذي يتقدم إلى الماء يصلح الرشاء والدلاء. والقاصف: الذي يتقدم لشراء الطعام.
وفود أهل الكوفة على ابن الزبير
رحمة الله تعالى
قال: لما قتل صعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد خرج حاجاً، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير بمكة، ومعه وجوه أهل العراق، فقال له: يا أمير المؤمنين، جئتك بوجوه أهل العراق، لم أدع لهم بها نظيراً، لتعطيهم من هذا المال؛ قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله! والله لا فعلت. فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، قال لهم: يا أهل الكوفة، وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار والدرهم، بل لكل عشرة رجلاً. قال عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلك فيما ذكرت؟ قال: وما ذلك؟ قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كما قال أعشى بكر بن وائل:
علقتها عرضاً وعقلت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. ثم انصرف القوم من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك بن مروان وغدروا بمصعب بن الزبير.
وفود رؤبة على أبي مسلم
الأصمعي قال: حدثنا رؤبة قال: قدمت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فأنشدته، فناداني: يا رؤية؛ فنوديت له من كل مكان: يا رؤبة، فأجبت:
لبيك إذ دعوتني لبيكا ... أحمد ربا ساقني إليكا
الحمد والنعمة في يديكا
قال: بل في يدي الله عز وجل؛ قلت: وأنت لما أنعمت حمدت. ثم استأذنت في الإنشاد، فأذن لي فأنشدته:
ما زال يأتى الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره
مشمراً لا يصطلى بناره ... حتى أقر الملك في قرراه
فقال: إنك أتيتنا وقد شف المال واستنفضه الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة، وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعليك المعول، والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بجنبيك الأسدة؛ قال: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أحب إلي من الذي أفادني من ماله.
وفود العتابي على المأمون
الشيباني قال: كان كلثوم العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون، فلما خرج إلى خراسان شيعه إلى قومس حتى وقف على سنداد كسرى، فلما حاول وداعه، قال له المأمون: لا تدع زيارتنا إن كان لنا من هذا الأمر شيء. فلما أفضت الخلافة إلى المأمون، وفد إليه العتابي زائراً، فحجب عنه، فتعرض ليحيى بن أكثم، فقال: أيها القاضي، إن رأيت أن تذكر بي أمير المؤمنين؛ فقال له يحيى: ما أنا بالحاجب؛ قال له: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان. فدخل على المأمون؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أجرني من العتابي ولسانه، فلم يأذن له وشغل عنه، فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى، كتب إليه:
ما على ذاكنا افترقنا بسندا ... دولا هكذا رأينا الإخاء
لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصفاء إلا صفاء
تضرب الناس بالمثقفة السم ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء
فلما قرأ أبياته دعا به؛ فلما دنا منه سلم بالخلافة ووقف بين يديه؛ فقال: يا عتابي، بلغتنا وفاتك فغمتنا، ثم انتهت إلينا وفادتك فسرننا؛ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قسم هذا البر على أهل منى وعرفات لوسعهم، فإنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك؛ قال: سل حاجتك؛ قال: يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. فأحسن جائزته وانصرف