اعزب به، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأحوص الأنصاري؛ قال: أبعد الله ومحقه، أليس هو القائل، وقد أفسد على أهل المدينة جارية عرب بها منه:
الله بيني وبين سيدها ... يفر عني بها وأتبع
اعزب به، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: همام بن غالب الفرزدق؛ قال: أليس هو القائل يفخر بالزنى:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره
وأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت ... مغلقة دوني عليها دساكره
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا ... ووليت في أعقاب ليل أبادره
اعزب به، فوالله لا دخل علي أبداً، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأخطل التغلبي؛ قال: أليس هو القائل:
فلست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لهم الأضاحي
ولست بزاجر عنسا بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند منبلج الصباح
اعزب به، فوالله لا وطئ لي بساطاً أدباً وهو كافر، فمن الباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن الخطفي؛ قال: أليس هو القائل:
لولا مراقبة العيون أريتنا ... مقل المها وسوالف الآرام
هل ينهينك أن قتلن مرقشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام
طرقتك صائدة القول وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهذا، فأذن له فخرجت إليه، فقلت: ادخل أبا حزرة؛ فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداً ... جعل الخلافة في إمام عادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوى وأقام ميل المائل
والله أنزل في القرآن فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل
فلما مثل بين يديه، قال: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً؛ فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلا من الجن أو مسا من البشر
خليفة الله ماذا تأمرن بنا ... لنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في هم يؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر، وأملك إلا ثلثمائة، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الباقية؛ فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال إلي كسبته، ثم خرج؛ فقالوا له: ما وراءك؟ قال: ما يسوؤكم، خرجت من عند أمير المؤمنين يعطى الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقياً.
الوفود على ابن الزبير
وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير
رحمه الله تعالى:
الزبير بن بكار قاضي الحرمين قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فوفد إلى ابن الزبير، فدخل عليه في المسجد الحرام، ثم أنشده:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا ... فعاد صباحاً حالك اللون مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى ... دجى الليل جواب الفلاة عثمثم