ثم استأذن ابن جعفر على عبد الملك، فلما دخل عليه استقبله عبد الملك بالترحيب، ثم أخذ بيده فأجلسه معه على سريره، ثم سأله فألطف المسألة، حتى سأله عن مظعمه ومشربه، فلما انقضت مسألته، قال له يحيى بن الحكم: أمن خبيثة كان وجهك أبا جعفر؟ قال: وما خبيثة؟ قال: أرضك التي جئت منها؛ قال: سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها طيبة وتسميها خبيثة! لقد اختلفتما في الدنيا وأظنكما في الآخرة مختلفين. فلما خرج من عنده هيأ له ابن جعفر هدايا وألطافاً. فقلت لبديح: ما قيمة ذلك؟ قال: قيمته مائة ألف، من وصفاء ووصائف وكسوة وحرير ولطف من لطف الحجاز. قال: فبعثني بها، فدخلت عليه وليس عنده أحد، فجعلت أعرض عليه شيئاً شيئاً. قال: فما رأيت مثل إعظامه لكل ما عرضت عليه من ذلك، وجعل يقول كلما أريته شيئاً: عافى الله أبا جعفر، ما رأيت كاليوم، وما كنا نريد أن يتكلف لنا شيئاً من هذا، وإن كنا لمتذممين محتشمين. قال: فخرجت من عنده، وإذن لأصحابه، فوالله لبينا أنا أحدثه عن تعجب عبد الملك وإعظامه لما أهدى إليه، إذا بفارس قد أقبل علينا، فقال: أبا جعفر، إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك، ويقول لك: جمعت لنا وخش رقيق الحجاز أباقهم، وحبست عنا فلانة، فابعث بها إلينا - وذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدثهم عن هدايا ابن جعفر ويعظمها عندهم؛ فقال له يحيى بن الحكم: وماذا أهدى إليك ابن جعفر؟ جمع لك وخش رقيق الحجاز وأباقهم وحبس عنك فلانة؛ قال: ويلك! وما فلانة هذه؟ قال: ما لم يسمع والله أحد بمثلها قط جمالاً وكمالاً وخلقاً وأدباً، لو أراد كرامتك بعث بها إليك؛ قال: وأين تراها، وأين تكون؟ قال: هي والله معه، وهي نفسه التي بين جنبيه - فلما قال الرسول ما قال، وكان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر إذا سمع ما يكره تصام، فأقبل علي فقال: ما يقول بديح؟ قال: قلت: فإن أمير المؤمنين يقرأ السلام ويقول: إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول: إن الله نصر المسلمين وأعزهم؛ قال: اقرأ أمير المؤمنين السلام، وقل له: أعز الله نصرك، وكبت عدوك؛ فقال الرسول: يا أبا جعفر، إني لست أقول هذا، وأعاد مقالته الأولى. فسألني، فصرفته إلى وجه آخر؛ فأقبل علي الرسول، فقال: يا ماص أبرسل أمير المؤمنين تهكم؟ وعن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب؟ قال: والله لأطلن دمك؛ فانصرف. وأقبل علي ابن جعفر فقال: من ترى صاحبنا؟ قال: صاحبك بالأمس؛ قال: أظنه، فما الرأي عندك؟ قلت: يا أبا جعفر، قد تكلفت له ما تكلفت فإن منعتها إياه جعلتها سبباً لمنعك، ولو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه، قال: ادعها لي. فلما أقبلت رحب بها، ثم أجلسها إلى جنبه، ثم قال: أما والله ما كنت أظن أن يفرق بيني وبينك إلا الموت؛ قالت: وما ذاك؟ قال: إنه حدث أمر وليس والله كائناً فيه إلا ما أحببت، جاء الدهر فيه بما جاء؛ قالت: وما هو؟ قال: إن أمير المؤمنين بعث يطلبك، فإن تهوين فذاك، وإلا والله لا يكون أبداً؛ قالت: ما شيء لك فيه هوى ولا أظن فيه فرجاً عنك إلا فديته بنفسي، وأرسلت عينيها بالبكاء؛ فقال لها: أما إذا فعلت فلا ترين مكروهاً، فمسحت عينيها، وأشار إلي فقال: ويحك يا بديح! استحثها قبل أن تتقدم إلي من القوم بادرة. قال: ودعا بأربع وصائف ودعا من صاحب نفقته بخمسمائة دينار، ودعا مولاة له كانت تلي طيبه، فدحست لها ربعة عظيمة مملوءة طيباً، ثم قال: عجلها ويلك! فخرجت أسوقها حتى انتهيت إلى الباب، وإذا الفارس قد بلغ عني، فما تركني الحجاب أن تمس رجلاي الأرض حتى أدخلت على عبد الملك وهو يتلظى؛ فقال لي: يا ماص! وكذا أنت المجيب عن أمير المؤمنين والمتهكم برسله؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أتكلم؛ قال: وما تقول يا كذا وكذا؟ قلت: ائذن لي يجعلني الله فداك أتكلم؛ قال: تكلم؛ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأناً، وأقل خطراً من أن يبلغ كلامي من أمير المؤمنين ما أرى، وهل أنا إلا عبد من عبيد أمير المؤمنين، نعم قد قلت ما بلغك، وقد يعلم أمير المؤمنين أنا إنما نعيش في كنف هذا الشيخ، وأن الله لم يزل إليه محسناً، فجاءه من قبلك شيء ما أتاه قط مثله، إنما طلبت نفسه التي بين جنبيه، فأجبت بما بلغك لأسهل الأمر عليه، ثم سألني فأخبرته، واستشارني فأشرت عليه، وها هي ذه قد جئتك بها؛ قال: أدخلها ويلك! قال:
The Unique Necklace
وفود عبد الله بن جعفرTexte original Public domain
Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens
Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.