قال إسحاق: وكنت مقدم الأمر في دار المأمون، مقبول القول فيه، لا أعارض في الشيء إذا أومأت إليه، فخرجت مبادراً إلى باب الدار، فلقيني غلمان الدار، وأصحاب النوبة. فقالوا: يا سيدنا، إن غلمانك قد انصرفوا وكانوا قد جاءوك بدابة، فلما علموا بمبيتك انصرفوا. قلت: لا ضير، فأنا أتمشى إلى البيت وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النوبة. قلت: لا حاجة لي في ذلك. قالوا: فنمضي بين يديك بمشعل. قلت: لا، ولا أريد أيضاً ذلك. وأقبلت وحدي نحو البيت، حتى إذا صرت ببعض الطريق أحسست بحركة البول، فعدلت إلى بعض الأزقة، لئلا يجوز بي أحد منن العوام فيراني أبول على الطريق، فبلت حتى إذا قمت للتمسح ببعض الحيطان إذا أنا بشيء معلق من تلك الدور إلى الزقاق فما تمالك أن تمسحت حتى دنوت إلى ذلك الشيء لأعرف ما هو، فإذا بزنبيل كبير معلق بأربع آذان، وإذا هو ملبس ديباجاً، وفيه أربعة أحبل إبريسم، فلما نظرت إليه وتبينته قلت: والله إن لهذا لسبباً، وإن له لأمراً. فأمت ساعة أروي في أمره وأفكر فيه، حتى إذا طال ذلك بي قلت: والله لأتجاسرن ولأجلسن فيه كائناً في ذلك ما كان. ثم لففت رأسي بردائي وجلست في جوف الزنبيل، فلما أحس من كان على ظهر الحائط بثقله جذبوا الزنبيل إليهم، حتى انتهوا إلى رأس الحائط، فإذا بأربع جوار، وإذا هن يقلن: انزل بالحرب والسعة، أصديق أم جديد؟ فقلت: لا بل جديد. فقلت: أنت يا جرية بين يديه الشمعة. فابتدرت إحداهن إلى طست فيه شمعة وأقبلت بين يدي، حتى نزلت إلى دار نظيفة بها من الحسن والظرف والنظافة ما حرت له، ثم أدخلتني إلى مجالس مفروضة، ومناص مرصوص، بصنوف من الفرش الذي لم أر مثله إلا في دار ملك أو خليفة، فجلست في أدني مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ساعة إلا بضجة وجلبة وستور قد رفعت من ناحية من نواحي الدار، وإذا بوصائف يتساعين في أيدي بعضهن الشمع، وبعضهن المجامر، يسجر فيها العود والند، وإذا بينهن جارية كأنها تمثال عاج، تتهادى بينهم كالبدر الطالع، بقد يزرى على الغصون، ودل وشكل، فما تمالكت عند رؤيتها أن نهضت فقالت: مرحباً بك من زائر أتى، وليست تلك عادته. وجلست ورفعت مجلس عن الموضع الذي كنت فيه. فقالت: كيف كان ذا والله لي ولك، ولا علم كان وقع لي، فما السبب؟ قال: قلت: انصرفت من عند بعض إخواني وظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق وأخذني البول، فأخذت إلى هذا الطريق، فعدلت إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلاً معلقاً، فحملني النبيذ على أن جلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه، وإن كان صواباً فوالله ألهمنيه. قالت: لا ضير إن شاء الله، وأرجوا أن تحمد عواقب أمرك، فما صناعتك؟ قلت: بزاز. قالت: وأين مولدك؟ قلت: بغداد. قالت: ومن أي الناس أنت؟ قلت: من أفنائهم وأوساطهم. قالت: حياك الله وقرب دارك، فهل رويت من الأشعار شيئاً؟ قلت: شيئاً يسيراً. قالت: فذاكرنا بشيء مما حفظت. قلت: جعلت فداك إن للداخل دهشة، وفي انقباض، ولكن تبتدئي بشيء من ذلك، فالشيء يأتي بالمذاكرة. قالت: لعمري لقد صدقت، فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا وكذا؟ ثم أنشدتني لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين من أحسن أشعارهم، وأجود أقاويلهم، وأنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب: من ضبطها، أم من حسن لفظها، أم من حسن أدبها، أم من حسن جودة ضبطها للغريب، أم من اقتدارها على النحو معرفة أوزان الشعر؟ ثم قالت: أرجو أن يكون ذهب عنك بعض ما كان من الحصر والانقباض والحشمة. فقلت: إن شاء الله، لقد كان ذلك. قالت: فإن رأيت أن تنشدنا من بعض ما تحفظ فافعل. قال: فاندفعت أنشد لجماعة من الشعراء، فاستحسنت نشيدي، وأقبلت تسألني عن أشياء تمر في شعري كالمختبرة لي، وأنا أجيبها بما أعرف في ذلك، وهي مصغية إلي، ومستحسنة لما آتي به، حتى إذا أتيت على ما فيه مقنع قالت: والله ما قصرت، وما توهمت فيك ما ألفيت، وما رأيت في أبناء التجار وأبناء السوقة مثل ما معك، فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟ قلت: قد نظرت في شيء من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما عندك. فما غابت عنا شيئاً حتى قدمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها غرائب الطعام السري، فقالت: إن الممالحة أول الرضاع، فدونك. فتقدمت، فأقبلت أعتذر بعض الاعتذار وهي مع ذلك تحثني وتضع بين يدي، وإن لمتقسم القلب لما أرى من ظرفها
The Unique Necklace
المضحكاتOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.