أتعذلني وقلبك مستطار ... كئيب لا يقر له قرار
بحب مليحة صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار
ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار
فقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت في غد منك المزار
فلما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس:
وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز المشي أردافاً ثقالاً ... وغصنا فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التجميش وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي. فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال له: أخزاك الله، أكنت معنا ومطلعاً علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين عرفت ما في نفسك فأعربت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف درهم، ولصاحبيه بمثلها.
وقال بعض العراقيين:
غضبت من قبلة بالكره جدت بها ... فها أنا جئت فاقتصيه أضعافا
لم يأمر الله إلا بالقصاص فلا ... تستجوري ما رآه الله إنصافا
عتبت ماردة على هارون الرشيد، فكانت تظهر الكراهة وتضمر له المحبة، فقال فيها:
تبدي صدوداً وتخفي تحته صلة ... فالنفس راضية والطرف غضبان
يا من وضعت له خدي فذلله ... وليس فوقي سوى الرحمن سلطان
خبر الحسن بن هانئ مع الأسود
أبو بكر الوراق قال: قال لي الحسن بن هانئ: حججت مع الفضل بن الربيع حتى إذا كنا ببلاد فزارة، وذلك إبان الربيع، نزلنا منزلاً بإزاء ماء لبني تميم، ذا روض أريض، ونبت غريض، تخضع لبهجته الزرابي المبثوثة، والنمارق المصفوفة، فقرت بنضرتها العيون، وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفرجت ببهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء، فأسف غمامها وتدانى من الأرض ركامها، حتى إذا كان كما قال أوس بن حجر حيث يقول:
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
همت برذاذ، ثم بطش، ثم برش، ثم بوابل، ثم أقلعت وقد غدرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألف، رياض مونقة، ونوافح من ريحها عبقة، فسرحت طرفي راتعاً منها في أحسن منظر، وانتشقت من رياها أطيب من المسك الأذفر. قال: فلما انتهينا إلى أوائلها. إذا نحن بخباء على بابه جارية متبرقعة، ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، قد أشعرت حماليقه فتوراً وملئت سحراً، فقلت لزميلي: استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها ماء. فاستسقاها فقالت: نعم ونعمى عين، وإن نزلتم ففي الرحب والسعة. ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان، أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها، ثم أتت بالماء فشربت منه، وصببت باقيه على يدي، ثم قلت: وصاحبي أيضاً عطشان. فأخذت الإناء فذهبت، فقلت لصاحبي: من الذي يقول:
إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع
يريك عيون الدمى غرة ... ويكشف عن منظر أشنع
قال: وسمعت كلامي، فأتت وقد نزعت البرقع، ولبست خماراً أسود، وهي تقول:
ألا حي ركبي معشر قد أراهما ... أطالا ولما يعرفا مبتغاهما
هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستقيا باللحظ ممن سقاهما
فشبهت كلامها بعقد در وهي سلكه فانتثر، بنغمة عذبة رقيقة رخيمة، لو خوطب بها الصم الصلاب لانبجست، مع وجه يظلم لنوره ضياء العقول، وتتلف في روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم، ويحار في بهائه طرف البصير.
فدقت وجلت واسبطرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
فلم أتمالك أن سجدت وخررت ساجداً فأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور، ولا تذم من بعدها برقعاً، فلربما انكشف عما يصرف الكرى ويحل القوى، ويطيل الجوى، من غير بلوغ إرادة، ولا درك طلبة، ولا قضاء وطر، ليس إلا للحين المجلوب، والقدر المكتوب، والأمل الكذوب، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب حيران لا أهتدي لصواب، فالتفت إلي صاحبي، فقال لما رأى هلعي، كالمسلي لي عن بعض ما أذهلني: ما هذه الخفة لوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته؟ أما سمعت قول ذي الرمة: