وهذه المنزلة من إهمال النفس وهتك الحياء قبيحة، كما أن المنزلة الأخرى من الغلو في الدين، والتقشف في الهيئة قبيحة أيضاً، وإنما المحمود منها التوسط، وأن يكون لهذا موضعه وهذا موضعه.
وقال مطرف بن عبد الله لولده: " يا بني إن الحسنة بين السيئتين، - يريد بين المجاوزة والتقصير - وخير الأمور أواسطها، وشر السير الحقحقة " .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى " .
وفي بعض الكتب المترجمة: إن يحنا وشمعون، كان من الحواريين، وكان يحنا لا يجلس مجلساً إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلساً إلا بكى وأبكى من حوله، فقال شمعون ليحنا: ما أكثر ضحكك، كأنك قد فرغت من عملك؟ فقال له يحنا: ما أكثر بكاءك، كأنك قد يئست من ربك؟ فأوحى الله إلى المسيح: أن أحب السيرتين إلي سيرة يحنا.
وفي بعض الكتب أيضاً أن عيسى بن مريم لقي يحيى بن زكريا فتبسم إليه يحيى، فقال له عيسى: إنك لتبسم تبسم آمن! فقال له يحيى: إنك لتعبس عبوس قانط! فأوحى الله إلى عيسى: " إن الذي يفعل يحيى أحب إلي " .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم دخل نعيمان الجنة ضاحكاً، لأنه كان يضحكني " . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه وهو أرمد، فوجده وهو يأكل تمراً، فقال له: أتأكل تمراً وأنت أرمد؟ فقال: إنما آكل من الجانب الآخر. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.
وكانت سويداء لبعض الأنصار تختلف على عائشة، فتلعب بين يديها وتضحكها، وربما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة فيجدها عندها فيضحكان جميعاً، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم فقدها، فقال: يا عائشة، ما فعلت السويداء؟ قالت له: إنها مريضة. فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم يعودها، فوجدها في الموت، فقال لأهلها: إذا توفيت فآذنوني. فلما توفيت آذنوه، فشهدها وصلى عليها، وقال: " اللهم إنها كانت حريصة على أن تضحكني، فأضحكها فرحاً " .
وقيل لأبي نواس: قد بعثوا إلى أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما، فقال؛ أما أبو عبيدة فإن خلوه وسفره قرأ عليهم أساطير الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل في قفص يطربهم بصفيره.
قال ابن إسحاق: وقد طرب الصالحون وضحكوا ومزحوا. وإذا مدحت العرب رجلاً قالوا: هو ضحوك السن، بسام الهشيات، هش إلى الضيف. وإذا ذمته قالت: هو عبوس الوجه، جهم المحيا، كريه المنظر، حامض الوجنة كأنما وجهه بالخل منضوح، وكأنما أسقط خيشومه بالخردل.
وكتب يحيى بن خالد إلى الفضل ابنه وهو بخراسان: " يا بني، لا تغفل نصيبك من الكسل " .
وهذا حرف جامع لما قصدناه من هذا المعنى، لأن بالكسل تكون الراحة، وبالراحة يثوب النشاط وبالنشاط يصفو الذهن، ويصدق الحس ويكثر الصواب.
قال الشاعر:
إنما للناس منا ... حسن خلق ومزاح
ولنا ما كان فينا ... من فساد وصلاح
الهيثم بن عدي قال: رأيت هشام بن عروة قد اجتمع إليه أصحاب الحديث يسألونه، فقال لهم: يا قوم، أما ما كان عندي من الحلال والحرام والسنة فإني لا أستحل أن أمنعكموه، وأما ملحي فلا أعطيكموها ولا كرامة.
باب من المفاكهات
حديث عباس بن الأحنف
حدث أبو العباس النحوي المعروف بالمبرد قال: حدثنا محمد بن عامر الحنفي، وكان من سادات بكر بن وائل، وأدركته شيخاً كبيراً مملقاً، وكان إذا أفاد على إملاقه شيئاً جاد به، وقد كان قديماً ولي شرطة البصرة، فحدثني هذا الحديث الذي نذكره. ووقع إلي من غير ناحيته، ولا أذكر ما بينهما من الزيادة والنقصان، إلا أن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك: