FluentPlex

The Unique Necklace

حديث عباس بن الأحنف

Original text Public domain

Read with the dictionary

ذكر أن فتياناً كانوا مجتمعين في نظام واحد، كلهم ابن نعمة، وكلهم قد شرد عن أهله، وقنع بأصحابه، فذكر ذاكر منهم قال: كنا قد اكترينا داراً شارعة على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس، فكنا نفلس أحياناً ونوسر أحياناً، على مقدار ما يمكن الواحد من أهله، وكنا لا نستكثر أن تقع مؤونتنا على واحد منا إذا أمكنه، ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم به أصحابه الدهر الأطول. وكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام ألينه، ودعونا الملهين والملهيات. وكان جلوسنا في أسفل الدار، فإذا عدمنا الطرب فمجلسنا غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس، وكنا لا نخل بالنبيذ في عسر ولا يسر. فإنا لكذلك يوماً إذا بفتى يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد. فإذا رجل نظيف حلو الوجه، سري الهيئة، ينبئ رواؤه على أنه من أبناء النعم، فأقبل علينا فقال: إني سمعت مجتمعكم، وحسن منادمتكم، وصحة ألفتكم، حتى كأنكم أدرجتم جميعاً في قالب واحد، فأحببت أن أكون واحداً منكم، فلا تحتشموا. قال: وصادف ذلك منا إقتاراً من القوت، وكثرة من النبيذ. وقد كان قال لغلام له أول ما يأذنون لي أن أكون كأحدهم: هات ما عندك، فغاب الغلام عنا غير كثير، ثم إذا هو قد أتانا بسلة خيزران، فيها طعام المطبخ: من جدي، ودجاج، وفراغ، ورقاق، وأشنان، ومحلب، وأخلة، فأصبنا من ذلك ثم أفضنا في شرابنا؛ وانبسط الرجل؛ فإذا أحلى خلق الله إذا حدث؛ وأحسنهم استماعاً إذا حدث، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف. ثم أفضينا منه إلى أكرم محالفة، وأجمل مساعدة. وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه، فيظهر لنا أنه لا يحب غيره، ويرى ذلك في إشراق وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغناء، ونتدارس أخباره وآدابه، فشغلنا ذلك عن تعرف اسمه ونسبه، فلم يكن منا إلا تعرف الكنية، فإنا سألناه عنها فقال: " أبو الفضل " .

فقال لنا يوماً بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم كيف عرفتكم؟ قلنا: نعم إنا لنحب ذلك. قال: أحببت جارية في جواركم، وكانت سيدتها ذات حبائب، فكنت أجلس لها في الطريق ألتمس اجتيازها فأراها، حتى أخلقني الجلوس على الطريق، ورأيت غرفتكم هذه، فسألت عن خبرها، فخبرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضاً، فكان الدخول فيما أنتم فيه آثر عندي من الجارية. فسألناه عنها فخبرنا، فقلنا له: فإنا نختدعها حتى نظفرك بها. فقال: يا إخواني إني والله، على ما ترون مني من شدة الشغف والكلف بها، ما قدرت فيها حراماً قط، ولا تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمن الله بثروة فأشتريها. فأقام معنا شهرين ونحن على غاية الاغتباط بقربه، والسرور بصحبته، إلى أن اختلس منا، فنالنا بفراقه ثكل ممض، ولوعة مؤلمة، ولم نعرف له منزلاً نلتمسه فيه. فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به، وقبح عندنا ما كان حسن بقربه وجعلنا لا نرى سروراً ولا غماً إذا ذكرنا؛ لاتصال السرور بصحبته وحضوره، والغم بمفارقته، فكنا فيه كما قال القائل:

يذكرنيهم كل خير رأيته ... وشر، فما أنفك منهم على ذكر

فغاب عنا زهاء عشرين يوماً، ثم بينا نحن مجتازون يوماً من الرصافة إذا به قد طلع في مركب نبيل، وزي جليل، فحيث بصر بنا انحط عن دابته، وانحط غلمانه، ثم قال: يا إخواني، والله ما هنأني عيش بعدكم، ولست أماطلكم بخبري حتى آتي المنزل، ولكن ميلوا بنا إلى المسجد. فملنا معه، فقال:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account