وهذا الكتاب جزآن، جزء في الطعام، وجزء في الشراب. فالذي في الطعام منهما متقص جميع ما يتم ويتصرف به أغذية الطعام، من المنافع والمضار، وتعاهد الأبدان بما يصلحها من ذلك في أوقاته، وضروب حالاته واختلاف الأغذية مع اختلاف الأزمنة بما لا يخلي المعدة وما لا يكظها، فقد جعل الله لكل شيء قدراً.
والذي في الشراب منهما مشتمل على صفوف الأشربة، وما اختلف الناس فيه من الأنبذة، ومحمود ذلك ومذمومه، فإنا نجد النبيذ قد أجازه قوم صالحون، وكرهه قوم صالحون.
وقد وضعنا لكل شيء من ذلك باب، فيحتاط كل رجلٍ لنفسه بمبلغ تحصله، ومنتهى نظره، فإن الرائد لا يكذب أهله.
أطعمة العرب
الوشيقة من اللحم، وهو أن يغلى إغلاءةً ثم يرفع، يقال منه وشقت أشق وشقا، قال الحسن بن هانئ:
حتى رفعنا قدرنا بضرامها ... واللحم بين موذم وموشق
والصفيف مثله، ويقال: هو القديد، يقال: صففته أصفة صفاً.
والربيكة: شيء يطبخ من بر وتمر، ويقال: منه ربكته أربكه ربكاً.
والبسيسة: كل شيء خلطته بغيره، مثل السويق بالأقط، ثم تلته بالسمن أو بالزيت، أو مثل الشعير بالنوى للإبل، يقال: بسسته أبسه بساً.
والعبيثة: بالعين غير معجمة: طعام يطبخ ويجعل فيه جراد، وهو الغثيمة أيضاً.
والبغيث والعليث: الطعام المخلوط بالشعير. فإذا كان فيه الزؤان فهو المعلوث.
والبكيلة والبكالة جميعاً: وهي الدقيق يخلط بالسويق، ثم يبل بماء أو سمن أو زيت، يقال: بكلته أو أبكله، بكلاً.
والفريقة: شيء يعمل من اللبن.
فإذا قطعت اللحم صغاراً قلت: كتفته تكتيفاً.
أبو زيد قال: إذا جعلت اللحم على الجمر قلت: حسحسته، وهو أن تقشر عنه الرماد بعد أن يخرج من الجمر. فإذا أدخلته النار ولم تبالغ في طبخه قلت: ضهبته، وهو مضهب.
والمضيرة سميت بذلك لأنها طبخت باللبن الماضر، وهو الحامض والهريسة لأنها تهرس. والعصيدة لأنها تعصد أي تلوى، واللفيتة لأنها تلفت.
والفالوذ: وهو السرطراط. ومن أسماء الفالوذ أيضاً: السريط، لأنه يسترط مثل يزدرد. ويقال: " لا تكن حلوا فتسترط، ولا مراً فتعقي " .
يقال: أعقى الشيء: اشتدت مرارته.
الرغيدة: اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق لعقاً.
الحريرة: الحساء من الدسم والدقيق.
والسخينة: حساء كانت تعمله قريش في الجاهلية، فسميت به، قال حسان:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
والعكيس: الدقيق يصب عليه الماء ثم يشرب: قال منظور الأسدي:
ولما سقيناها العكيس تمذحت ... خصواصرها وازداد رشحاً وريدها
تمذحت، أي انتفخت.
أسماء الطعام
الوليمة: طعام العرس. والنقيعة: طعام الإملاك. والإعذار: طعام الختان. والخرس: طعام الولادة. والعقيقة: طعام سابع الولادة. والنقيعة: طعام يصنع عند قود الرجل من سفره؛ يقال: أنقعت إنقاعاً. والكيرة: طعام يصنع عند البناء يبنيه الرجل في داره. والمأدبة: كل طعام يصنع لدعوة، يقال: آدبت أودب إيداباً. وأدبت أدباً. قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
الآداب: صاحب المأدبة. والجفلى: دعوة العامة. والنقري: دعوة الخاصة.
والسلفة: طعام يتعلل به قبل الغداء. والقفي: الطعام الذي يكرم به الرجل، يقال منه: قفوته فأنا أقفوه قفواً. والقفاوة: ما يرفع من المرق للإنسان، قال الشاعر:
ونقفي وليد الحي إن كان جائعاً ... ونحسبه إن كان ليس بجائع
صفة الطعام
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أكرموا الخبز فإن الله سخر له السموات والأرض. وكلوا سقط المائدة.
وقال الحسن البصري: ليس في الطعام سرف، وتلا قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " .
وقال الأصمعي: الكبادات أربعة: العصيدة، والهريسة، والحيس، والسميذ.
أبو حاتم: والسويق طعام المسافر، والعجلان، والحزين والنفساء، وطعام من لا يشتهي الطعام.
أبو حاتم، عن الأصمعي قال: قال أبو صوارة: الأرز الأبيض بالسمن المسلي والسكر الطبرزذ ليس من طعام أهل الدنيا.
وقال مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أكل الخبيص يزيد في الدماغ.