وأما الحقوق الواجبة للرعية على الملك فمنها حماية البيضة وسد الثغور وتحصين الأطراف وأمن السوابل وقمع الدعار، فهذه حقوق تلزم السلطان تجري مجرى الفروض الواجبة، وبهذه الأمور تجب طاعته على رعيته. وبنحو من هذا احتج الخوارج على أمير المؤمنين علي، عليه السلام، عقيب انقضاء حرب صفين، قالوا له: أنت فرطت في حفظ هذا الثغر، يعني ثغر الشأم، بتحكيمك الحكمين، فأنت مخطىء مفرط، فليس لك علينا طاعة، فإن اعترفت بهذا الخطأ واستغفرت رجعنا إلى طاعتك وقاتلنا معك العدو. فعرفهم، عليه السلام، أنه غلب رأيه في قضية رأيه في قضية التحكيم، وأن التحكيم لم يكن من رأيه، فأصروا على قولهم ولم يقبلوا ونابذوه وقاتلوهم، حتى كانت الوقعة المشهورة بالنهروان.
ومن الحقوق الواجبة للرعية على الملك الرفق بهم والصبر على صادرات هفواتهم. قال، صلوات الله عليه وسلامه: ًما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا كان الخرق في شيء إلا شأنهً. وقد روي عنه، صلوات الله عليه وسلامه: ًمن الرفق أشياء لا تليق إلا بمنصب النبوةً كان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر والشأم كثير الرفق موصوفاً به، دخل مرة إلى الحمام عقيب مرضةٍ طويلةٍ أضعفته وانتهكت قوته، فأدخل الحمام وهو في غاية الضعف، فطلب من مملوك كان واقفاً على رأسه ماءً حاراً، فأحضر له في طاسة ماءً شديد الحرارة، فلما قرب منه اضطربت يد المملوك فوقعت الطاسة عليه فأحرق الماء جسده، فلم يؤاخذه ولا بكلام، ثم طلب منه بعد ذلك بساعة ماءً بارداً، فأحضر له في تلك الطاسة ماءً شديد البرد، فحين قرب منه اتفق له ما اتفق في المرة الأولى من اضطراب يده ووقوع الطاسة عليه بذلك الماء الشديد البرد، فغشي عليه وكاد يموت. فلما أفاق قال للمملوك : إن كنت تريد قتلي فعرفني، ولم يزد على هذه الكلمة، رضي الله عنه. قيل: تقدم رجل أبخر إلى بعض الرؤساء يشاوره فقال له: تنح عني فقد آذيتني، قال الرجل : لا كرامة ولا عزازة ما رأسناك وقمنا بين يديك إلا حتى تحتمل منا ما هو أشد من هذا وتصبر منا على ما هو أعظم منه. ومما يجب للرعية على الملك ردع قويهم عن ضعيفهم وإنصاف ذليلهم من عزيزهم وإقامة الحدود فيهم وإقرار حقوقهم مقارها وإغاثة ملهوفهم وإجابة مستصرخهم والتسوية في حكمه بين الأبعد منهم والأقرب والأذل والأعز. قال عمر بن الخطاب لرجل: إني ل اأحبك، قال: فتنقصني من حقي شيئاً؟ قال عمر: لا. قال الرجل: فما يفرح بالحب بعد هذا إلا النساء.
على الملك عرفان نعمة الله عليه
ويجب للملك أن يعرف نعمة الله عليه بأن اصطفاه لهذه المرتبة العلية دون سائر الخلق ، وبأن جعله يفزع منه كل أحد ولم يجعله يفزع من أحد، فلا يزال لها ذاكراً شاكراً، فأما الذكر فلامتثال قوله تعالى: ً وأما بنعمة ربك فحدثً وأما الشكر فلطلب المزيد لقوله تعالى: ً لئن شكرتم لأزيدنكم ً ويجب أن يكون بينه وبين ربه معاملة سرية لايعلم بها إلآ الله، فتلك المعاملة تقي مصارع السوء، وهذه العبارة مقبولة عند جميع أصحاب الملل، وعند الحكماء أيضاً هي مقبولة، ويمكن تأويلها على هذا المطلوب بحسب اعتقادهم .
ويجب أن يكون له دعوات يناجي بها ربه، وهي دعوات تليق بالملوك لا تصلح للعوام، ولا بأس أن أثبت في هذا الموضع فصلاً من الدعاء الملكي وهذا مما اقترحته أنا ولم أعلم أن أحداً تنبه عليه.
الدعاء الملكي
اللهم إني أبرأ إليك من حولي وقوتي، وألجأ إلى حولك وقوتك. أحمدك على أن أوجدتني من العدم، وفضلتني على كثير من الأمم. وجعلت في يدي زمام خلقك، واستخلفتني على أرضك. اللهم فخذ بيدي في المضايق، واكشف لي وجوه الحقائق. ووفقني لما تحب. واعصمني من الزلل ولا تسلب عني ستر إحسانك وقني مصارع السوء واكفني كيد الحساد، وشماتة الأضداد. والطف بي في سائر متصرفاتي، واكفني من جميع جهاتي. يا أرحم الراحمين.
ويحسن بالملك الفاضل إكرام فضلاء رعيته واختصاصهم بالبر، قال بعض الحكماء: لا يجوز أن يكون الفاضل من الرجال إلا مع الملوك مكرماً أو مع النساك متهتلاً كالفيل لا يحسن أن يرى إلا في موضعين: إما في البرية وحشياً، وإما للملوك مركباً؛ كما قال الشاعر:
كمثل الفيل إما عند ملكٍ ... وإما في مراتعه منيعا
ما يكره للملك