ومما يكره للملك مخالطة الأنذال، والسوقة والجهال. فإن سماع ألفاظهم الساقطة ومعانيهم المرذولة وعباراتهم الدنية مما يحط الهمة ويضع المنزلة ويصدىء القلب ويزري بالملك. ومخالطة الأشراف ومعاشرة أفاضل الرجال مما يعلي الهمة ويذكي القلب ويفتق الذهن ويبسط اللسان . وتلك قاعدة مطردة للملوك، وما زالوا يدخلون إليهم عوام الرعية ويعاشرونهم ويستخدمونهم، ولم يخل أحد من الخلفاء من مثل هذا، وكأن لسان حالهم يقول: نحن نخلي الكبار كباراً فإذا اختصصنا عامياً نوهنا بذكره وقدمناه حتى يصير من الخواص، كما أننا إذا أعرضنا عن أحدٍ من الخواص أرذلناه حتى يصير من أراذل العوام، وكذلك هو فإن هذه خاصية من خواص الملك، وقد سبق ذكرها، وكل هذا مأخوذ من الخواص الإلهية، فإن العناية الإلهية إذا صدرت ذرة منها إلى النفوس صار ذلك الإنسان نبياً أو إماماً أو ملكاً، وإذا صدرت في حق الزمان صار ذلك اليوم يوم العيد الكبير وليلة القدر وأيام الحج وأيام المواسم والزيارات لسائر الأمم، وإذا صدرت تلك الذرة في حق المكان صار بيت مكة والبيت المقدس والمشاهد والجوامع والزيارات والمتعبدات ومواضع التقربات.
وههنا موضع حكايةٍ: كان ببغداد حمال يقال له عبد الغني بن الدرنوس، فتوصل في أيام المستنصر حتى صار براجاً في بعض أبراج دار الخليفة، فما زال يحسن التوصل إلى ولد المستنصر وهو المستعصم آخر الخلفاء، وكان في زمن أبيه محبوساً. فما زال هذا البراج يتعهده بالخدمة طول مدة الأيام المستنصرية إلى أن توفي المستنصر، وجلس على سرير الخلافة ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم، فعرف لهذا البراج حق الخدمة، ورتبه متقدم البراجين، وفي آخر الأمر استحجبه في باطن داره، واختصه وقدمه حتى بلغ إلى أنه صار إذا دخل إلى الوزير ينهض له ويخلي المجلس من جميع الناس إذا كان ابن الدرنوس حاضراً، وسبب إخلاء المجلس الوزيري عند حضور ابن الدرنوس أنه يمكن أن يكون قد جاء في مشافهة من عند الخليفة، ولقب نجم الدين الخاص، وصار من أخص الناس بالخليفة، وبلغ من منزلته أنه كان يتعصب لصاحب الديوان عند الخليفة، وكان صاحب الديوان يعرض مطالعاته ومهامه على يد نجم الدين الخاص، وكان يمده في كل سنة بمال طائل حتى يحفظ غيبه ويزكيه في الحضرة الخليفية .
وجرى بيني وبين جمال الدين علي بن محمد الدستجرداني، رحمه الله، كلام في معنى هذا ابن الدرنوس، فصوبت أنا رأي المستعصم في الإحسان إليه، وقلت: إنه خدمه وأثبت عليه حقاً وقد كافأه فلا عيب في هذا، وقال جمال الدين، رحمه الله ، ما معناه: إن تسليطه لمثل ذلك الأحمق على أعراض الناس وأموالهم وإدخاله في المملكة حتى كاد أن يولي الوزراء ويعزلهم قبيح من المستعصم دليل على جهله، وإلا فإن كان مراده الإحسان إليه مكافأةً له على سابق خدمته فقد كان يجب أن يكون ذلك بمال يعطاه برفع منزلة لا يختل بسببها أمر في المملكة، ولا يتطرق بها قدح في عقل الخليفة. وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدق من نظري، والحق في جانبه، رحمه الله. وكانت هذه المفاوضة بيني وبينه في كتاب كتبته إليه اقتضى الحال فيه ذكر هذه القضية، وكتب هو الجواب عنه وأعاد كتابي إلي لأني التمست منه إعادة كتابي، والكتابان هما في هذا التاريخ عندي بخطي وخطه، رحمه الله.
ما يليق بالملك الفاضل
ومما يليق بالملك الفاضل ويكمل فضله أن يكون عالي الهمة رحيب الصدر محباً للرياسة معداً لها أسبابها طامح البصر إليها معملاً فكره في توسيع مملكته وعلو درجته غير مخلد إلى التنعم ولا جانح إلى الترف ولا منهمك في اللذات. قال بعض حكماء الفرس: همم الناس صغار، وهمم الملوك كبار، وألباب الملوك مشغولة بكل شيء عظيم، وألباب السوقة مشغولة بأيسر الأشياء. وليعلم الملك أن الرياسة عروس مهورها الأنفس.
نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين علي، عليه السلام، في صفين، فالتفت إلى عمرو بن العاص وقال: من يطلب عظيماً يخاطر بعظيم، وإن نظرت فيما أحاول فإذا الموت في طلب العز أحسن عاقبةً من الحياة مع الذل ؛ قال بعض الشعراء:
هي النفس إن ماتت فقد مات قبلها ... كرام وإن تسلم فللحدثان
إذا النفس لم تشره إلى طلب العلى ... فتلك من الأموات في الحيوان