وكانوا، أعني المتأخرين من خلفاء بني العباس، قد اقتصروا في آخر الأمر على مملكة العراق فحسب، حتى إن إربل لم تكن في حكمهم، وما زالت خارجة عن حكمهم إلى أن مات مظفر الدين علي كوجك صاحب إربل، وذلك في أيام المستنصر، فعين علي شرف الدين إقبال الشرابي، وكان مقدم الجيوش ليتوجه إلى إربل ليفتحها، وجهزه بالعساكر، فتوجه الشرابي إليها وأقام عليها أياماً محاصراً ثم فتحها، فضربت البشائر ببغداد يوم وصول الطائر بفتحها. فانظر إلى دولة تضرب البشائر على أبواب صاحبها ويزين البلد لأجل فتح قلعة إربل التي هي اليوم في هذه الدولة من أحقر الأعمال وأصغرها وأهونها، بلى قد كان ملوك الأطراف مثل ملوك الشأم ومصر وصاحب الموصل يحملون إليهم في كل سنة شيئاً على سبيل الهدية والمصانعة، ويطلبون منهم تقليداً بولاية بلادهم بحيث يتسلطون بذلك على رعيتهم، ويوجبون عليهم طاعتهم بذلك السبب. ولعل الخلفاء قد كانوا يعوضون ملوك الأطراف عن هداياهم بما يناسبها أو يفضل عنها، كل ذلك لحفظ الناموس الظاهر، وليكون لهم في البلاد والأطراف السكة والخطبة، حتى صار يضرب مثلاً لمن له ظاهر الأمر وليس له من باطنه شيء أن يقال: قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة والخطبة، يعني قنع منه بالاسم دون الحقيقة، فهذه جمل من أحوال الدولة العباسية.
وأما الدولتان البويهية والسلجوقية فلم تعرض مملكتها مع قوة شوكة ملوكهما كعضد الدولة في بني بويه وطغرلبك في بني سلجوق، ولم تعم طاعتهما ولم يشمل ملكهما. وأما الدولة الخوارزمشاهية مع أن جريدة السلطان جلال الدين اشتملت على أربعمائة ألف فلم يعرض ملكها أيضاً، ولا تجاوزت النواحي القريبة منها، بلى جلال الدين غزا أطراف الهند.
من حقوق الملك
ومن الحقوق الواجبة للملك على الرعية التعظيم والتفخيم لشأنه في الباطن والظاهر وتعويد النفس ذلك ورياضتها به، بحيث تصير ملكة مستقرة وتربية الأولاد على ذلك وتأديبهم به ليتربى هذا المعنى معهم.
وهاهنا موضع حكاية وهي أن سلطان هذا العصر، ثبت الله قواعد دولته، وبسط في الخافقين ظل معدلته، لما ورد إلى بغداد في سنة ثمان وتسعين وستمائة دخل المستنصرية لمشاهدتها والتفرج فيها، وكانت قبل وروده إليها قد زينت وجلس المدرسون على سددهم والفقهاء بين أيديهم وفي أيديهم أجزاء القرآن وهم يقرأون منها، فاتفق أن الركاب السلطاني بدأ بالاجتياز على طائفة الشافعية، ومدرسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن العاقولي، وهو رئيس الشافعية ببغداد، فلما نظروا إليه قاموا قياماً، فقال للمدرس المذكور: كيف جاز أن تقوموا لي وتتركوا كلام الله؟ فأجاب المدرس بجواب لم يقع بموقع الاستصواب في الحضرة السلطانية، أعلى الله في الدنيا كلمتها، وفي الآخرة درجتها. ثم بعد ذلك حكى لي المدرس المذكور صورة السؤال والجواب. فأما السؤال فهو ما حكيته، وأما جوابه فلم أضبطه، وقلت له قد كان يمكن أن يقال في جواب هذا السؤال: إن تركنا للمصحف إذا كان في أيدينا واشتغالنا بغيره لم يحرم علينا في شريعتنا ولا جعل علينا في ذلك حرج، ثم إن هذا المصحف الذي قد تركناه وقمنا بين يدي السلطان قد أمرنا فيه بتعظيم سلاطيننا.
ومن الحقوق الواجبة للملك على رعيته النصيحة، فمما جاء في الحديث، صلوات الله وسلامه على من نسب إليه، قوله، صلى الله عليه وسلم : ًالدين النصيحةً قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: ً لله ولرسوله ولجماعة المسلمينً.
ومنها ترك اغتياب الملك في ظهر الغيب، قال، صلى الله عليه وسلم: ً لا تسبوا الولاة فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنما هم نقمة ينتقم الله بها ممن يشاء، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية والغضب واستقبلوها بالاستكانة والتضرع
حقوق الرعية