FluentPlex

Al-Fakhrī

أواخر العباسيين

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأما خلافة بني أمية فكانت قد عظمت وتفخم أمرها وعرضت مملكتها، ولكن طاعتهم لم تكن كطاعة هؤلاء، كان بنو أمية في الشأم وكان بنو هاشم بالمدينة لا يلتفتون إليهم، وإذا دخل الرجل الهاشمي على الخليفة من بني أمية أسمعه غليظ الكلام، وقال له كل قول صعب.

الدولة العباسية

وأما الدولة العباسية فلم تبلغ طاعة الناس لها ما بلغت هذه الدولة ، مع أن مدتها طالت حتى تجاوزت خمسمائة سنة، ومملكتها عرضت حتى إن بعضهم جبى معظم الدنيا. وستقع الاشارة إلى ذلك عند الكلام على دولة بني العباس، وحاصل الدنيا في أيام الرشيد في حسبةٍ جامعة تشتمل عليه كتب التواريخ يدل على ذلك. فأما أوائلهم فجبوا شطراً صالحاً من الدنيا، وقويت شوكتهم كالمنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم والمعتضد والمتوكل، ومع ذلك لم تكن دولتهم تخلو من ضعفٍ ووهنٍ من عدة جهات، منها امتناع الروم عليهم، وقيام الحرب بينهم وبين ملوكها النصارى في كل سنة على ساق، ومع ذلك كانت جبايتها تستصعب عليهم، وملوكها لا يزالون على الامتناع منهم، وقد كان من أمر المعتصم وعمورية ما بلغك، ولعل طرفاً منه يبلغك في هذا الكتاب عند الكلام في الدولة العباسية .

ومن أسباب الوهن الواقع في دولتهم خروج الخوارج في كل وقت. فأما المنصور فلم يشرب ريقاً حلواً من ذلك، وخرج عليه النفس الزكية محمد ابن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، بالحجاز، فجرت بينه وبينه حروب أفضت إلى إرسال عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس إلى الحجاز لمحاربة النفس الزكية، فقتله بموضع قريب من المدينة يقال له أحجار الزيت، وذلك في سنة كذا، ولذلك سمي النفس الزكية قتيل أحجار الزيت، وخرج عليه أخو النفس الزكية وهو إبراهيم ابن عبد الله بالبصرة فقلق المنصور لذلك غاية القلق وقام وقعد، حتى توجه إليه عيسى بن موسى فقتله بقرية قريبة من الكوفة يقال لها باخمرى، فهو يعرف بقتيل باخمري، رضي الله عنه، ومن هاهنا حقد المنصور على العلويين وفعل بهم تلك الأفاعيل، ولعل طرفاً منها يبلغك في هذا الكتاب، إذا انتهيت من الكلام على الدولة العباسية، وكذلك جرى أمر الخوارج مع خليفةٍ خليفة، حتى كان الرعية لا ينامون في بيوتهم آمنين، ولا يزالون يتوقعون الفتنة والحرب، كما كان حال أهل قزوين في مجاورة قلاع الملاحدة.

حدثني الملك إمام الدين يحيى بن الافتخاري، رضي الله عنه، قال: أذكر ونحن بقزوين إذا جاء لليل جعلنا جميع ما لنا من أثاث وقماش ورحل في سراديب لنا في دورنا غامضةً خفيةً، ولا نترك على وجه الأرض شيئاً خوفاً من كبسات الملاحدة، فإذا أصبحنا أخرجنا أقمشتنا، فإذا جاء الليل فعلنا كذلك، ولأجل ذلك كثر حمل القزاونة للسكاكين وكثر حملهم للسلاح، وما زال الملاحدة على ذلك حتى كان من أمر شمس الدين قاضي قزوين، وتوجهه إلى قان وإحضار العسكر وتخريب قلاع الملاحدة ما كان، وليس هذا الموضع موضع استيفاء الكلام في هذا، فإنه اعترض وليس بمقصود.

وكما جرى للموفق بن المتوكل في مرابطة الزنج أربع عشرة سنة، ما زال يصابرهم من البصرة وواسط طول هذه المدة حتى أفناهم، وكان لطول المدة قد ابتنى الزنج هناك مدائن ثم خربت وآثارها الآن باقية.

أواخر العباسيين

وأما أواخرهم، أعني أواخر خلفاء بني العباس، فضعفوا غاية الضعف حتى عصت تكريت عليهم، وفي ذلك يقول شاعرهم:

في العسكر المنصور نحن عصابة ... من دولةٍ أخسس بنا من معشر

خذ عقلنا من عقدنا فبما ترى ... من خسةٍ ورقاعةٍ وتهور

تكريت تعجزنا ونحن بعقلنا ... نمضي لنأخذ ترمذاً من سنجر

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account