FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة بني أمية

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأما الخصال التي يستحب أن تكون معدومة فيه فقد ذكرها ابن المقفع في كلام له قال: ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته، وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على إلزامه بغير ما يريد، وليس له أن يبخل لأنه أقل الناس عذراً في خوف الفقر، وليس له أن يكون حقوداً لأن قدره قد عظم عن المجازاة لأحد على إساءةٍ صدرت منه، وليس له أن يحلف إذا حدث لأن الذي يحمل الإنسان على اليمين في حديثه خلال: إما مهانة يجدها في نفسه واحتياج إلى أن يصدقه الناس، وإما عي وحصر وعجز عن الكلام فيريد أن يجعل اليمين تتمةً لكلامه أو حشواً فيه، وإما أن يكون قد عرف أنه مشهور عند الناس بالكذب فهو يجعل نفسه بمنزلة من لا يصدق ولا يقبل قوله إلا باليمين، وحينئذ كلما ازداد أيماناً ازداد الناس له تكذيباً، والملك بمعزل عن هذه الدنايا كلها وقدره أكبر من ذلك.

ومن الخصال التي يستحب أن تكون معدومة في الملك الحدة فإنها ربما أصدرت عنه فعلاً يندم عليه حين لا ينفع الندم، وأكثر ما ترى الحداد من الرجال سريعي الرجوع ولذلك قال، عليه الصلاة والسلام: خير أمتي حدادها.

ومن الخصال التي يستحب عدمها في الملك الضجر والسأم والملل فذلك من أضر الأمور وأفسدها لحاله.

حقوق الملك

واعلم أن للملك على رعيته حقوقاً وأن لهم عليه حقوقاً، فأما الحقوق التي تجب للملك على رعيته فمنها الطاعة، وهي الأصل الذي ينتظم به صلاح أمور الجمهور ويتمكن به الملك من الإنصاف للضعيف من القوي، والقسمة بالحق، ومما جاء في التنزيل من الحث على ذلك وهي الآية المشهورة في هذا المعنى قوله تعالى: ً يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكمً؛ ومن أمثالهم: لا إمرة لمن لا يطاع. ولم ينقل في تاريخ ولا تضمنت سيرة من السير أن دولة من الدول رزقت من طاعة جندها ورعاياها ما رزقته هذه الدولة القاهرة المغولية، فإن طاعة جندها ورعاياها لها طاعة لم ترزقها دولة من الدول.

الدولة الكسروية

فأما الدولة الكسروية فإنها على عظمها وفخامتها لم تبلغ ذلك، وقد كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة نائباً لكسرى على العرب، وبين الحيرة والمدائن التي كانت سرير ملك الأكاسرة فراسخ معدودة ، والنعمان في كل أيامه قد عصى على كسرى، وإذا حضر مجلسه تبسط وتجرأ على مجاوبته، وكان متى أراد خلع طاعته دخل البرية فأمن شره.

الدول الإسلامية

وأما الدول الإسلامية فلا نسبة لها إلى هذه الدولة حتى تذكر معها، فأما خلافة الأربعة الأول، وهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، رضي الله عنهم، وعلي بن أبي طالب، عليه السلام، فإنها كانت أشبه بالرتب الدينية من الرتب الدنيوية في جميع الأشياء، كان أحدهم يلبس الثوب من الكرباس الغليظ، وفي رجله نعلان من ليف، وحمائل سيفه ليف ويمشي في الأسواق كبعض الرعية، وإذا كلم أدنى الرعية أسمعه أغلظ من كلامه. وكانوا يعدون هذا من الدين الذي بعث به النبي، صلوات الله عليه وسلامه. قيل: إن عمر بن الخطاب جاءته برود من اليمن ففرقها على المسلمين، فكان نصيب كل رجل من المسلمين برداً واحداً، وكان نصيب عمر كنصيب واحدٍ من المسلمين ، قيل ففصله عمر ثم لبسه وصعد المنبر فأمر الناس بالجهاد، فقام إليه رجل من المسلمين وقال: لا سمعاً وطاعة، قال : لم ذلك؟ قال: لأنك استأثرت علينا، قال عمر: بأي شيء استأثرت؟ قال: إن الأبراد اليمنية لما فرقتها حصل لكل واحد من المسلمين برد منها، وكذلك حصل لك، والبرد الواحد لا يكفيك ثوباً، ونراك قد فصلته قميصاً تاماً، وأنت رجل طويل، فلو لم تكن قد أخذت أكثر منه لما جاءك منه قميص، فالتفت عمر إلى ابنه عبد الله وقال: يا عبد الله أجبه عن كلامه، فقام عبد الله بن عمر وقال: إن أمير المؤمنين عمر لما أراد تفصيل برده لم يكفه، فناولته من بردي ما تممه به، فقال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة .

وهذه السير ليست من طرز ملوك الدنيا وهي بالنبوات والأمور الأخروية أشبه.

خلافة بني أمية

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account