ومنها الاطلاع على غوامض أحوال المملكة، ودقائق أمور الرعية، ومجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته. وكان أردشير الملك يقول لمن شاء من أشراف رعيته وأوضاعهم : كان البارحة من حالك كيت وكيت، حتى صار يقال إن أردشير يأتيه ملك من السماء يخبره بالأمور، وما ذاك إلا لتيقظه وتصفحه.
عشر خصال الخير
فهذه عشر خصالٍ من خصال الخير، من كن فيه استحق الرياسة الكبرى، ولو نظر أصحاب الآراء والمذاهب حق النظر، وتركوا الهوى، لكانت هذه الشرائط هي المعتبرة في استحقاق الإمامة وما عداها فغير طائلٍ. وقال بزرجمهر: ينبغي أن يكون الملك كالأرض في كتمان سره وصبره، وكالنار على أهل الفساد، وكالماء في لينه لمن لاينه، وينبغي أن يكون أسمع من فرسٍ، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاةٍ، وأشد حذراً من غراب، وأعظم إقداماً من الأسد، وأقوى وأسرع وثوباً من الفهد، وينبغي للملك ألا يستبد برأيه وأن يشاور في الملمات خواص الناس وعقلاءهم ومن يتفرس فيه الذكاء والعقل وجودة الرأي وصحة التمييز ومعرفة الأمور، ولا ينبغي أن تمنعه عزة الملك من إيناس المستشار به وبسطه واستمالة قلبه، حتى يمحضه النصيحة، فإن أحداً لا ينصح بالقسر، ولا يعطي نصيحته إلا بالرغبة، وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى:
أهان وأقصى ثم يستنصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا
المشاورة والاستبداد بالرأي
قال الله تعالى: ً وشاورهم في الأمرً وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشاور أصحابه دائماً.
لما كانت وقعة بدر خرج، صلى الله عليه وسلم، من المدينة في جماعةٍ من المسلمين، فلما وصلوا بدراً نزلوا على غير ماء، فقام إليه رجل من أصحابه وقال: يا رسول الله نزولك هاهنا شيء أمرك الله به أو هو من عند نفسك ؟ قال: بل هو من عند نفسي، قال: يا رسول الله إن الصواب أن ترحل وتنزل على الماء فيكون الماء عندنا فلا نخاف العطش، وإذا جاء المشركون لا يجدون ماء، فيكون ذلك معيناً لنا عليهم؛ فقال رسول الله: صدقت، ثم أمر بالرحيل ونزل على الماء. واختلف المتكلمون في كون الله تعالى أمر رسوله بالاستشارة مع أنه أيده ووفقه، وفي ذلك أربعة وجوه: أحدها أنه، عليه السلام، أمر بمشاورة الصحابة استمالةً لقلوبهم، وتطييباً لنفوسهم؛ الثاني أنه أمر بمشاورتهم في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيعمل عليه؛ الثالث أنه أمر بمشاورتهم لما فيها من النفع والمصلحة؛ الرابع أنه إنما أمر بمشاورتهم ليقتدي به الناس، وهذا عندي أحسن الوجوه وأصلحها.
قالوا: الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب مع الانفراد والاستبداد، وقال صاحب كليلة ودمنة: لا بد للملك من مستشار مأمونٍ يفضي إليه بسره، ويعاونه على رأيه، فإن المستشير وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلاً وأصح رأياً قد يزداد برأي المشير رأياً، كما تزداد النار بالدهن ضوءاً ونوراً؛ قال الشاعر:
إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر ... برأي نصيحٍ أو مشورة حازم
الناس على دين ملوكهم
واعلم أن للملك أموراً تخصه يتميز بها عن السوقة، فمنها أنه إذا أحب شيئاً أحبه الناس، وإذا أبغض شيئاً أبغضه الناس، وإذا لهج بشيءٍ لهج به الناس إما طبعاً أو تطبعاً ليتقربوا بذلك إلى قلبه، ولذلك قيل: الناس على دين ملوكهم. فانظر كيف كان زي الناس في زمن الخلفاء، فلما ملكت هذه الدولة وأسبغ الله إحسانها وأعلى شأنها غير الناس زيهم في جميع الأشياء، ودخلوا في زي ملوكهم بالنطق واللباس والآلات والرسوم والآداب، من غير أن يكلفوهم ذلك أو يأمروهم به أو ينهوهم عنه، ولكنهم علموا أن زيهم الأول مستهجن في نظرهم، منافٍ لاختيارهم، فتقربوا إليهم بزيهم؛ وما زال الملوك في كل زمان يختارون زياً وفناً فيميل الناس إليه ويلهجون به؛ وهذا من خواص الدولة وأسرار الملك.
ومن خواص الملك أن صحبته تورث التيه والكبر وتقوي القلب وتكبر النفس، وليس صحبة غير الملك تفعل ذلك، ومن خواصه أنه إذا أعرض عن إنسان وجد ذلك الإنسان في نفسه ضعفاً وإن لم ينله بمكروه، وإذا أقبل على إنسان وجد ذلك الإنسان في نفسه قوة وإن لم يصبه منه خير، بل مجرد الإعراض والإقبال يفعل ذلك، وليس أحد من الناس بهذه المنزلة غير السلطان.
الخصال غير المستحبة