خصوصاً والناس مركبون على الخطإ، مجبولون على تشمير الطباع، فما أكثر ما تصدر منهم موجبات الحقد، فلا يزال الملك طول دهره يعاني من الغيظ والحقد عليهم ما ينغص عليه لذته، ويشغله عن كثير من مهام مملكته. وما أكثر ما رأينا الرعية أو الجند قد وثبوا على ملوكهم، فسلبوهم رداء المملكة بل رداء الحياة، فابتدئ من عمر بن الخطاب، وقد وثب عليه أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة فقتله، ثم ثن بعثمان بن عفان، رضي الله عنه، وانظر كيف اجتمع عليه رعيته من كل جانب فحاصروه في داره أياماً، ثم دخلوا عليه فقتلوه والمصحف في حجره حتى قطرت قطرات من دمه على المصحف، ثم ثلث بعلي بن أبي طالب، عليه السلام، وقد ضربه عبد الرحمن بن ملجم، لعنه الله، بسيفه على أم رأسه بالكوفة فقتله، وكان ابن ملجم من الخوارج. هذا في الصدر الأول والناس ناس، والدين دين. ثم تنقل دولةً فدولةً وأياماً فأياماً إلى أواسط دولة بني العباس، فانظر منذ عهد المتوكل إلى عهد المقتفي ما جرى على واحدٍ واحدٍ من الخلفاء من القتل والخلع والنهب، بسبب تغير نيات جنده ورعيته، فهذا سمل وذاك قتل والآخر عزل. ثم اسرح طرفك في الدولتين البويهية والسلجوقية تر من هذا الباب عجباً، ثم ارجع البصر إلى أونكخان ملك الترك، كيف لما تنكرت نيته على جنكزخان وحقد عليه أشياء عرضها عليه عنده حساده، وأراد الوقيعه به وأعلمه بذلك الصبيان فرحل من ليلته، ثم حشد وجمع ووثب على أونكخان فقتله وملك ممالكه، تعلم أن الحقد من أضر الأشياء للملك، وأن أوفق الأشياء له الصفح والعفو والغفران والتناسي، وما أحسن قول القائل:
إقبل من الناس ما تيسر ... ودع من الناس ما تعسر
فإنما الناس من زجاجٍ ... إن لم ترفق به تكسر
وقد مدح بعض الشعراء الحقد. ولم يسمع بمن مدح الحقد غير هذا فقال:
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقداً على ذي إساءةٍ ... فثم ترى شكراً على سالف القرض
إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
وهذا قول لا يعرج عليه. وإن عرج عليه أحد فليعرج عليه غير الملك فإن الملك أحوج الخلق إلى استصلاح النيات واستصفاء القلوب.
الكرم يستميل القلوب
ومن الخصال التي يستحب أن تكون في الملك الكرم وهو الأصل في استمالة القلوب وتحصيل النصائح من العالم واستخدام الأشراف؛ قال الشاعر:
إذا ملك لم يكن ذا هبة ... فدعه فدولته ذاهبة
ومما جاء في الحديث النبوي، صلوات الله على صاحبه: تجاوزوا عن ذنب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر، وفاتح عليه كلما افتقر؛ وقال علي، عليه السلام: الجود حارس الأعراض. واعلم أنه لم تتضمن سيرة من حكايات الجود مثل ما نقل عن قان العادل وهو أوكتاي بن جنكزخان، فإنه غبر في وجوه جميع كرام الملوك:
مناقب تفتق ما رقعتم ... من وجود كعبٍ وسماح حاتم
ومن الاتفاقات الحسنة وجوده في عصر المستنصر بالله ، وكان المستنصر أكرم من الريح، ولكن أين يقع جوده من جود قان؟ ومن أين للمستنصر مال يفي بعطايا قان؟
الهيبة تحفظ نظام الملك
ومنها الهيبة وبها يحفظ نظام المملكة ويحرس من أطماع الرعية، وقد كان الملوك يبالغون في إقامةالهيبة والناموس، حتى بارتباط الأسود والفيلة والنمور، وبضرب البوقات الكبار كبوق النفير، والدبادب والقصع ورفع السناجق وخفق الألوية على رؤوسهم، كل ذلك لإثبات الهيبة في صدور الرعية ولإقامة ناموس المملكة. كان عضد الدولة إذا جلس على سريره أحضرت الأسود والفيلة والنمور في السلاسل وجعلت في حواشي مجلسه تهويلاً بذلك على الناس وترويعاً لهم.
السياسة والوفاء بالعهد
ومنها السياسة وهي رأس مال الملك، وعليها التعويل في حقن الدماء وحفظ الأموال ومنع الشرور وقمع الدعار والمفسدين، والمنع من التظالم المؤدي إلى الفتنة والاضطراب.
ومنها الوفاء بالعهد، قال تعالى سلطانه: ً وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً؛ وهو الأصل في تسكين القلوب، وطمأنينة النفوس، ووثوق الرعية بالملك إذا طلب الأمان منه خائف، أو أراد المعاهدة منه معاهد.
الاطلاع على الغوامض