ومنها الخوف من الله تعالى، وهذه الخصلة هي أصل كل بركة، فإن الملك متى خاف الله أمنه عباد الله. روي أن علياً أمير المؤمنين، عليه السلام، استدعى بصوته بعض عبيدة فلم يجبه، فدعاه مراراً فلم يجبه، فدخل عليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين إنه بالباب واقف، وهو يسمع صوتك ولا يكلمك. فلما حضر العبد عنده قال: أما سمعت صوتي؟ قال: بلى، قال: فما منعك من إجابتي؟ قال: أمنت عقوبتك، قال علي، عليه السلام : الحمد لله الذي خلقني ممن يأمنه خلقه. وما أحسن قول أبي نواس لهارون الرشيد:
قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله
ولم يكن الرشيد يخاف الله، وأفعاله بأعيان آل علي وهم أولاد بنت نبيه لغير جرم تدل على عدم خوفه من الله تعالى، ولكن أبا نواس جرى في قوله على عادة الشعراء.
العفو عن الذنوب
ومنها العفو عن الذنوب وحسن الصفح عن الهفوات، وهذه أكبر خصال الخير وبها تستمال القلوب، وتصلح النيات؛ فمما جاء في التنزيل من الحث على ذلك قوله تعالى شأنه: ًوليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكمً؛ وكان المأمون حليماً حسن الصفح معروفاً بذلك. هجاه دعبل الشاعر بأشعار كثيرة من جملتها:
إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فلما بلغه هذا القول لم يزد على أن قال: قاتله الله ما أشد بهتانه! متى كنت خاملاً وفي حجر الخلافة نشأت، وبدرها أرضعت؟ ولما بلغه أن دعبلاً قد هجاه قال: من أقدم على هجاء وزيري أبي عباد كيف لا يقدم على هجائي؟ وهذا الكلام ظاهر غير مستقيم وهو يحتاج إلى تأويل، فإنه عكس المعهود. وقد كان ينبغي أن يقول الوزير: من أقدم على هجاء الخليفة كيف لا يقدم على هجائي؟ ومعنى قول المأمون أن من أقدم على هجاء أبي عباد مع حدته وهوجه وتسرعه، وكان أبو عباد كذلك، كيف لا يقدم علي في حلمي وصفحي. ولولا خوف الإطالة لذكرت جماعة من حلماء الملوك في هذا الموضع، ولكن ليس هذا الفصل موضوعاً للسمر، وسيرد من ذلك ما يمتع إن شاء الله في الفصل الثاني.
الحقد مفسدة للنيات
ومنهم من يرى أن الحقد خصلة محمودة في الملك، قال بزرجمهر: يجب أن يكون الملك أحقد من جمل، وأنا أناظره في هذا القول فأقول: كيف يقال كذلك والملك متى كان حقوداً فسدت نيته لرعيته، فمقتهم وقلل الالتفات إليهم الشفقة عليهم، ومتى أحسوا بذلك تغيرت نياتهم له، وفسدت بواطنهم، وهل يتمكن الملك مما يريده من مهمات مملكته وبلوغ أغراضه كما في نفسه إلا بصفاء قلوب رعيته؟ وأي حكمةٍ في ذلك؟ وهل فيه سوى تنغيص عيش الملك وتبغيض رعيته إليه وإيحاشهم منه؟ قال شاعر العرب:
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا