FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة هارون الرشيد

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأما الرشيد فإنه حج في تلك السنة. فلما ورد المدينة قبض على موسى ابن جعفر، عليهما السلام، وحمله في قبة إلى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك، وكان الرشيد بالرقة فأمر بقتله، فقتل قتلاً خفياً. ثم أدخلوا عليه جماعة من العدول بالكرخ ليشاهدوه إظهاراً أنه مات حتف أنفه، صلوات الله عليه وسلامه.

موت الرشيد: ومات الرشيد بطوس، وكان خرج إلى خراسان لمحاربة رافع بن الليث بن نصر بن سيار، وكان هذا رافع قد خرج وخلع الطاعة وتغلب على سمرقند وقتل عاملها وملكها وقويت شوكته، فخرج الرشيد بنفسه إليه فمات بطوس في سنة ثلاث وتسعين ومائة.

شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع بالخلافة استوزر كاتبه، قبل الخلافة، يحيى بن خالد بن برمك، وظهرت دولة بني برمك مذ حينئذٍ.

شرح أحوال الدولة البرمكية وذكر مبدئها ومآلها: كانوا قديماً على دين المجوس، ثم أسلم من أسلم منهم، وحسن إسلامهم، وقد ذكرنا وزارة جدهم خالد بن برمك في أيام المنصور، ونذكر هاهنا وزارة الباقين. وقبل الخوض في ذلك، فهذه كلمات تعرف منها نبذة من أحوال هذه الدولة.

اعلم أن هذه الدولة كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجاً على مفرق العصر. ضربت بمكارمها الأمثال، وشدت إليها الرحال، ونيطت بها الآمال. وبذلت لها الدنيا أفلاذ أكبادها، ومنحتها أوفر إسعادها. فكان يحيى وبنوه كالنجوم زاهرة، والبحور زاخرة، والسيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق الآداب عندهم نافقة، ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية. والدنيا في أيامهم عامرة. وأبهة المملكة ظاهرة. وهم ملجأ اللهف، ومعتصم الطريد، ولهم يقول أبو نواس:

سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد

ذكر وزارة يحيى بن خالد للرشيد: لما جلس الرشيد على سرير المملكة استوزر يحيى بن خالد بن برمك، وكان كاتبه ونائبه ووزيره قبل الخلافة. فنهض يحيى بن خالد بأعباء الدولة أتم نهوض، وسد الثغور وتدارك الخلل، وجبى الأموال وعمر الأطراف وأظهر رونق الخلافة، وتصدى لمهمات المملكة. وكان كاتباً بليغاً لبيباً أديباً سديداً صائب الآراء حسن التدبير، ضابطاً لما تحت يده قوياً على الأمور جواداً يباري الريح كرماً وجوداً ممدحاً بكل لسان، حليماً عفيفاً وقوراً مهيباً، وله يقول القائل:

لا تراني مصافحاً كف يحيى ... إنني إن فعلت ضيعت مالي

لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال

ومن آراء يحيى السديدة ما قاله للهادي وقد عزم على أن يخلع أخاه هارون من الخلافة ويبايع لابنه جعفر بن الهادي، وكان يحيى كاتب الرشيد، وهو يترجى أن يتولى هارون الخلافة فيصير هو وزير الدولة، فخلا الهادي بيحيى، ووهب له عشرين ألف دينار وحادثه في خلع هارون أخيه والمبايعة لجعفر ابنه، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، إن فعلت حملت الناس على نكث الأيمان ونقض العهود، وتجرأ الناس على مثل ذلك، ولو تركت أخاك هارون على ولاية العهد ثم بايعت لجعفر بعده كان ذلك أوكد على بيعته. فترك الهادي مدة ثم غلب عليه حب الولد فأحضر يحيى مرة ثانية وفاوضه في ذلك. فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لو حدث بك حادث الموت وقد خلعت أخاك وبايعت لابنك جعفر وهو صغير دون البلوغ أفترى كانت خلافته تصح وكان مشايخ بني هاشم يرضون ذلك ويسلمون الخلافة إليه؟ قال: لا. قال يحيى: فدع هذا الأمر حتى تأتيه عفواً، ولو لم يكن المهدي بايع لهارون لوجب أن تبايع أنت له لئلا تخرج الخلافة من بني أبيك. فصوب الهادي رأيه، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من أعظم أيادي يحيى بن خالد عنده.

ومن مكارمه: قيل: إن الرشيد لما نكب البرامكة واستأصل شأفتهم حرم على الشعراء أن يرثوهم، وأمر بالمؤاخذة على ذلك. فاجتاز بعض الحرس ببعض الخربات فرأى إنساناً واقفاً وفي يده رقعة فيها شعر يتضمن رثاء البرامكة، وهو ينشده ويبكي، فأخذه الحرس فأتى به إلى الرشيد وقص عليه الصورة. فاستحضره الرشيد وسأله عن ذلك، فاعترف به. فقال له الرشيد: أما سمعت تحريمي لرثائهم؟ لأفعلن بك ولأصنعن. فقال: يا أمير المؤمنين إن أذنت لي في حكاية حالي حكيتها، ثم بعد ذلك أنت ورأيك. قال: قل.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account