FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة أبي جعفر المنصور

Original text Public domain

Read with the dictionary

انقضت وزارة وزراء السفاح وبانقضائها انقضى الكلام على دولته.

ثم ملك بعده أخوه أبو جعفر المنصور.

خلافة أبي جعفر المنصور

بويع في سنة مائة وست وثلاثين ذكر شيء من سيرته وما وقع في أيامه من الحوادث والوقائع: كان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وعلمائهم وذوي الآراء الصائبة منهم والتدبيرات السديدة، وقوراً شديد الوقار حسن الخلق في الخلوة، من أشد الناس احتمالاً لما يكون من عبث أو مزاح، فإذا لبس ثيابه وخرج إلى المجلس العام تغير لونه واحمرت عيناه وانقلبت جميع أوصافه. قال يوماً لبنيه: يا بني إذا رأيتموني قد لبست ثيابي وخرجت إلى المجلس فلا يدنون أحد مني مخافة أن أعره بشيء. قالوا: وكان المنصور يلبس الخشن وربما رقع قميصه، وقيل ذلك لجعفر بن محمد الصادق، عليهما السلام، فقال: الحمد لله الذي ابتلاه بفقر نفسه في ملكه. قالوا: ولم يكن يرى في دار المنصور لهو ولعب أو ما يشبه اللهو واللعب.

حدث بعض مواليه قال: كنت مرة واقفاً على رأسه فسمع صوتاً عالياً فقال لي: انظر ما هذا الصوت؟ قال: فنظرت فإذا هو بعض خدمه يلعب بالطنبور وحوله جماعة من جواريه يضحكن منه. قال: فأخبرته الخبر، فتنمر وقال: وأي شيء يكون الطنبور؟ قال: فوصفته له. فقال: وأنت ما يدريك بالطنبور؟ قلت: يا أمير المؤمنين رأيته بخراسان. فقام المنصور حتى جاء إلى الخادم، فلما بصر به الجواري تفرقن، فأمر فضرب رأس الخادم بالطنبور حتى تكسر الطنبور ثم أخرجه فباعه.

وكان المنصور من أشد الناس شعفاً بابنه المهدي، فكان إذا جنى أحداً جنايةً أو أخذ من أحد مالاً جعله في بيت المال مفرداً وكتب عليه اسم صاحبه. فلما أدركته الوفاة قال لابنه المهدي: يا بني إني قد أفردت كل شيء أخذته من الناس على وجه الجناية والمصادرة وكتبت عليه أسماء أصحابه، فإذا وليت أنت فأعده على أربابه ليدعو لك الناس ويحبوك.

قال يزيد بن عمر بن هبيرة: ما رأيت رجلاً في حربٍ أوسلم أمكر ولا أنكر ولا أشد تيقظاً من المنصور، لقد حاصرني تسعة شهور ومعي فرسان العرب فجهدنا كل الجهد حتى ننال من عسكره شيئاً فما قدرنا لشدة ضبطه لعسكره وكثرة تيقظه، ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء ثم انقضى ذلك وما في رأسي شعرة سوداء.

واعلم أن المنصور هو الذي أصل الدولة وضبط المملكة ورتب القواعد وأقام الناموس واخترع أشياء. فمن جملة ما اخترع فرس النوبة، ولم يكن الملوك قبله يعرفون ذلك، وسبب ذلك يأتي فيما بعد. ومن جملة ما اخترع عمل الخيش الكتان في الصيف ولم يكن الناس قبله يعرفون ذلك، وكان الأكاسرة يطينون كل يوم من أيام الصيف بيتاً يسكنونه، ثم في الغد يطين بيت آخر.

وكان المنصور مبخلاً يضرب بشحه الأمثال. وقيل: كان كريماً وإنه لما حج أفضل على أهل الحجاز فكانوا يسمون عامه عام الخصب. والصحيح أنه كان رجلاً حازماً يعطي في موضع العطاء ويمنع في موضع المنع، وكان المنع عليه أغلب.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account